تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤ - المقصد الثالث في بيان استحالة السنة و النوم على الله تعالى بوجه حكمي
لأنهما من توابع الفتور، الحاصل لمبدإ الحركة و الإحساس.
و هاهنا مباحث أخرى متعلقة ببيان حالات تعرض للقوى الفعّالة النفسانية- و هي التعب و الملال و الألم و غيرها، و بيان التفرقة فيها و تحقيق القول في استحالة عروضها له سبحانه بوجه حكمي لمّي ينكشف به على السالك أن ساحة العظمة و الكبرياء أرفع من أن يعتريها شيء من هذه الانفعالات و التغيّرات، أخّرنا ذكرها إلى ما يحين حينها فيما سيأتي من ذي قبل إنشاء اللّه من المعاني المتعلقة بقوله تعالى: وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما لأنهما ألصق و أربط بذلك المقام فانتظر مفتشا.
و من الدلائل على نفي السنة و النوم و السهو و النسيان عن اللّه تعالى و استحالة عروضها له، أن هذه المعاني إما عبارات عن أعدام العلم أو عن أضداد العلم و على التقديرين فجواز طريانها عليه و عروضها له يقتضى جواز زوال علم اللّه تعالى، فلو كان كذلك لكان ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالما و يصح أن لا يكون عالما فحينئذ يفتقر في حصول صفة العلم له تعالى إلى فاعل يجعله عالما.
و ننقل الكلام إلى ذلك الفاعل: هل هو عالم من جميع الوجوه في جميع الأوقات أو لا؟ فإن كان الأول فالباري جلّ ذكره هو بعينه ذلك الفاعل الذي لا يجوز عليه الشين و النقص، إذ لا نعني بالباري إلا ما يجب وجوده و يجب كمال وجوده، و يستحيل عليه عدم الذات و عدم كمال الذات و قد فرضنا غيره، و إن كان الثاني فننقل الكلام إلى فاعل آخر يخرجه عن القوّة إلى الفعل، و هكذا إلى أن يدور أو يتسلسل، و هما محالان.
فلا بدّ و أن يكون مبدأ سلسلة العلماء عالما يكون علمه بالفعل من جميع الوجوه، و لا يكون فيه جهة غير جهة العقل بالفعل، فيكون عاقلا