تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢١ - المطلب الخامس في دلالة هذه الآية على توحيد الأفعال كما مرت الإشارة إليه
فإذن ليس من شرط الممكن أن يكون مرجّح وجوده ابتداء هو الواجب إذ مجرّد الإمكان لا يقتضى ذلك و لا خصوصية كل ممكن، بل خصوصيّة بعض الممكنات يستدعى الاستناد بالواسطة كالماديات و المتغيرات و المركبات، فإن المركب مثلا لا بدّ في وجوده من سبق وجودات الأجزاء لتقوّمه بها، فلا يمكن أن يكون وجود الكل و الجزء في درجة واحدة يكون كل منهما منسوبا إليه تعالى بالجعل و الإيجاد من غير توسّط، و كذلك أفعال الحيوان- من الإحساس و التحريك- و أفعال النبات- من التغذية و التنمية و التوليد- و كذلك الأفعال القبيحة الإنسانية و مباديها مثل الحسد و الكبر و الجهل المركب و الشهوة و الغضب و نظائرها لا يجوز أن ينسب إليه تعالى من دون وساطة المبادي القريبة لأنه منزّه عن الفحشاء و المنكر و البغي.
و اعلم أن مذهب الأشاعرة ليس من توحيد الأفعال في شيء، و لا أيضا ما ذهب إليه المعتزلة من كون العباد خالقين لأفعالهم مستقلّين في وجودها، بل الحقّ الصحيح الذي ذهب إليه خواصّ الإمامية و محقّقوهم، و يستفاد من أحاديث الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين، و يكون مطابقا لما عليه متألّهة الحكماء و الرواقيون: أن فيّاض الوجود منحصر في الواجب بالذات، و الوسائط مكثّرات لحيثيات (تجليات- ن) جوده و جهات فيضه.
و ادّعى المحقق الطوسي رضوان اللّه عليه إطباق الحكماء على ذلك، و ذكر أن ما يوجد في كلامهم من نسبة التأثير و الإفاضة إلى بعض الممكنات- المتوسطة بينه تعالى و بين المراتب النازلة- إنما يكون من باب المساهلة في التعاليم في باب كيفية صدور الكثير عن الواحد الحقيقي بحسب الواسطة، من غير أن يكون للوسائط دخل في الإيجاد، بل شأنها مجرد الإعداد و تكثير جهات