تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠ - البصيرة الثامنة في الكشف عن صيرورة الروح الإنساني من أصحاب النار بعد أن لم يكن منها، بمزاولة أفعال الأشرار و اكتساب ملكات الكفار و الفجار، من الأعمال الشهوية و الغضبية و الشيطانية، التي هي من صفات البهائم و السباع و الشياطين
و نحن قد حقّقنا في مباحث الماهيّة و لواحقها أنّ حقيقة كلّ شيء هي صورته التي بها هو هو، و المادة إنما تحمل ماهيته إذا كانت ضعيفة الوجود في هذا العالم الأصل الذي فيه دثور الأشياء و عجزها و ضعف صورها لأجل علوق الموادّ و الظلمات، و بيّنا أيضا بالوجوه الكشفية و البرهانيّة أن للأشياء التي تكون في هذا العالم نشأة ثانية و نحوا آخر من الوجود، و أن للصور النوعية عالما آخر يكون وجوداتها في ذلك العالم مستغنية القوام عن المواد العنصريّة، بل قائمة بذواتها موجودة بوجود فاعلها و منشئها و مبقيها- لا بوجود قابلها و مبليها و مفنيها.
و ذلك الوجود الاخروي على ضربين: لأن تلك الصور إمّا عقليّات صرفة و مفارقات محضة مجرّدة عن المقدار و الشكل، و إما صور مقداريّات: فالاولى لكونها نورانيّة محضة تدرك بالعقول الصافية- و هي جنّة المقرّبين. و أمّا الثانية فلكونها تدرك بالحواس الاخروية الباطنيّة من السمع و البصر و الشمّ و الذوق و اللمس الاخرويات- التي هي بواطن هذه الحواس الأوليات، لأنها باقية بعد الموت و هذه فانية، كما يدل عليه قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٥٠/ ٢٢] فبعضها نورانية- هي جنّة السعداء من أصحاب اليمين- و بعضها ظلمانية- هي جهنم الأشقياء من أصحاب الشمال-.
و جمهور الفلاسفة و المتكلمون و أكثر علماء المذاهب ذاهلون عن هذين العالمين، و في الذهول عنهما ضرر عظيم بالإنسان، و في الجهل بهما حجاب كثيف و غطاء غليظ له عن كشف معارف الايمان و حقائق القرآن.
هذا- و لنرجع إلى ما كنّا فيه من أن الإنسان قد اصطحبت في عالمه و