تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٢ - تذكرة تفصيلية
العبودية و الطاعة، فإذا ضمّ نور النهاية إلى نور البداية يكون نورا على نور.
الوجه الثالث: ما ذكر متأخّروا الصوفية موافقا لأصحاب المكاشفات و أرباب الأذواق و الإشراقات، و هو مبنيّ على قواعد الإشراقيين و حكماء الفرس و الأقدمين، و يطابقه
الحديث النبوي صلّى اللّه عليه و آله [١] حكاية عن معراجه حيث سئل عن «الرؤية» فقال: «نور إنّي أراه»
أي هو تعالى نور فيمتنع تعلق الرؤية به تعالى فأطلق النور عليه تعالى.
و قد أشرنا إلى تحقيق مذهبهم في النور، و توضيحه: أن النور المحسوس إنما يطلق عليه هذا اللفظ لكونه ظاهرا بذاته و مظهرا لغيره، و أما خصوص كونه محسوسا بالحسّ البصري و كونه مظهرا للمبصرات فلا مدخلية له فيما يوضع له لفظ «النور» فليس نفس النور المحسوس معنى هذا اللفظ و مفهومه، بل هو أحد موضوعات هذا اللفظ، حتى أنه لو وجد في هذا العالم شيء آخر له هذه الخاصية يطلق عليه اللّفظ، و نظيره ما ذكر في معنى الميزان من أن معناه «ما يوزن به الشيء» سواء كان له عمود و كفّتان أم لا، لكن غلب استعماله في هذا العالم على ما له عمود و كفّتان.
فعلى ذلك يكون اطلاق «النور» عليه تعالى من جهة أنّه مصداق معناه و موضوع مسماه، لأن ذاته ظاهر بذاته مظهر لغيره مطلقا، و لهذا اصطلح الإشراقيون على إطلاق نور الأنوار عليه تعالى.
و «النور» مع أنه أمر ذاتي غير خارج عن ذوات الأنوار المجردة الواجبية و العقلية و النفسية، إلا أنه متفاوت في الكمال و النقص متدرّج في الشدة و الضعف
[١] الترمذي: كتاب التفسير، سورة النجم: ٥/ ٣٩٦. و المسند: ٥/ ١٥٧- ١٧١.