تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٣ - أساس حكمي يبتنى عليه اصول عرفانية
رحيم، و فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، حتّى أن أدنى أهل الجنان و إبلههم يأكل في لحظة مقدار ما يأكل جملة أهل الدنيا من غير ملال و كلال، و يوجد لهم في لقمة واحدة لذّات سبعين طعاما من أطعمة الدنيا و حلاواتها.
و هذه جنّة العموم- حتى البله و غيرهم- و أما جنّة المحبّين للّه فهي ما عبّر عنها بقوله تعالى: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي و [٨٩/ ٣٠] و
قوله [١]: «أعدّت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر».
و الحاصل أن هذه الدرجات الجنانيّة العالية، و مقابلها من الدركات الجحيمية النازلة، حاضرة مع هذا الإنسان في الدنيا، و الخلق غافلون عنهما إلا من أيّده اللّه بالكشف التامّ، فيرى معهم و في إهابهم ما لا يرى أنفسهم أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [٤١/ ٤٤] وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [٢٦/ ٩١] وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [٨٢/ ١٦].
و اعلم أن الحق تعالى إله واحد، و رازق واحد، و باسط واحد. ينزل منه فيض واحد ينبسط على الكل بقدر واحد من جانبه، لكن يختلف باختلاف الأذواق و المشارب، قوله تعالى: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً [١٥/ ٢٢] و قوله يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [١٣/ ٤] فمنه عذب فرات، لصفاء المحل و سلامة القلب، و منه ملح أجاج، لكدورة المحل، بسبب المعاصي و الآثام.
و الاسم الجامع للجنة و النار العام لجميع مراتبهما الموجود في العالم الكبير و الصغير و ما فوقهما هو «الوصال للمحبوب» و «الفراق عنه» فجنة السعداء في الحقيقة هي وصولهم إلى ما يشتهون و يحبون فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ [٤٣/ ٧١]
[١] حديث قدسي معروف و جاء في الأكثر بلفظ: أعددت لعبادي.