تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٨ - تذكرة
و إن سئلت الحقّ فلا يزول رين البشريّة و عين التعيّن عن القلوب إلا بجذبة من جذبات الحقّ- التي توازي عمل الثقلين- فانظر في أنه إذا لم تخل مرآة قلب سيد الكائنات، و أشرف الممكنات عن أصدية الالتفاتات و غيون التوجهات إلى هذا العالم حتى احتاج لحفظ مقام القرب و العبدية إلى الاستغفار في اليوم بليلته سبعين مرة- كما
جاء في الحديث المشهور [١]- فمن الذي خلصت مرآته، و نقيت ذاته عن أوصاف البشرية بالكلية بمجرد الاكتساب و العمل من غير جذبة ربّانية؟
و لا يبعد أن يكون قول بعض المشايخ حيث قال: «الصوفي هو اللّه» إشارة إلى نحو هذا، أي: التّصوف و التّجرد عن رقّ النفس و عبودية الهوى، و الإقبال بالكليّة إلى الحقّ، إنّما يحصل بمحض جود اللّه و إمداده في حق السالك المعتصم بحبله المتين، مثل إلقاء اللّه الإلهامات المتتالية في قلبه، و إفاضة المعارف المتواردة على سرّه، ليجرّه بالتعويد من عالم البشريّة إلى عالم الربوبية، و ذلك معنى قوله: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [١٨/ ٦٥].
و من هاهنا ينكشف أن العبادة من غير العلم لا وزن لها و لا قيمة، و سعي غير العارف كحركات الأموات و الجمادات لا قصد فيها و لا معنى لها و لا طائل تحتها، كالحركة بالعرض، فإن كل حركة تكون غايتها من جنس مبدئها كما يظهر بالقياس و الاستقراء، و قد ثبت أن الغاية هي عين الفاعل بوجه الكمال، فمبدأ الحركة إن كان طبيعة تكون غايتها أمرا طبيعيا كالوصول إلى الحيّز الطبيعي، و إن كان أمرا حيوانيا فغايته أمر حيواني كالأكل و الشرب و الشهوة و الانتقام، و إن كان مبدءا روحانيّا فغايته الوصول إلى عالم الملكوت كالمعارف الاخروية و إن كان أمرا إلهيّا، فغايته القرب و المنزلة عند اللّه بفناء النفس عن ذاتها و
[١] ابن ماجة: كتاب الأدب، باب الاستغفار: ٢/ ١٢٥٤.