تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٥ - اللائحة الرابعة في التخلص عن أصل الإشكال على طريقتي الحكماء و الصوفية
قلت: فائدتهما بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين، الذين جعل اللّه بعثهم و إنزالها سببا و واسطة لاهتدائهم. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [٧٩/ ٤٥] كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.
و أما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم، فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ [٩/ ١٢٥] غاية ذلك إلزام الحجّة و إقامة البيّنة عليهم ظاهرا لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤/ ١٦٥] وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا [٢٠/ ١٣٤] و هو في الحقيقة للنفي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.
أقول: فيه وجه آخر و هو أن لكل شيء بحسب قصده و غلبة الطبيعة أسباب و علل بها يتوجّه إلى حيّزه الطبيعي و معاده الأصلي، فمن الأسباب المؤدّية للأشقياء إلى درك الشقاء، و هي بعينها الأسباب التي تسوق السعداء إلى الدرجات العلى مثل إرسال الرسل و إنزال الكتب.
فإن هذين الأمرين- الإرسال و الإنزال- كما يوجبان ظهور ما يكمن في النفوس الشريفة- من آثار الكرامة و العلم و المروّة و التقوى و الصفات الحسنة و الأفعال الجميلة- فكذلك موجبان للنفوس الخبيثة ظهور ما يكمن فيها- من الحماقة و الجهالة و حبّ الدنيا و الشهوات- فيوجبان للنفوس الخبيثة زيادة في جحودهم و استنكارهم و شدة في غيظهم و استكبارهم.
أما ترى أن بالوعظ و النصيحة ينكشف و يظهر من حال قساوة بعض القلوب التي هي كالحجارة أو أشدّ قسوة ما لا يظهر قبل ذلك، فعند سماع الآيات يستحكم لكل من القبيلتين ما هو مركوز في جبلته من الصفات- إن خيرا فخير و إن شرا فشر.