تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٧ - التحقيق الثالث في معنى الايمان بالله
التحقيق الثالث في معنى الايمان باللّه
اعلم أن المراد به الايمان بحقيقة اللّه تعالى و حقيقة ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر لقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ [٢/ ٢٨٥].
و أما الاعتقاد بحقيقة اللّه فهو الايمان بوجوده و صفاته و أفعاله و أحكامه.
أما الايمان بوجوده:
فهو أن يعلم أن وراء المتحيّزات، بل الممكنات، موجودا قديما قادرا- أي واجبا بالذّات صانعا للعالم- و ذلك بالنظر إلى حقيقة الوجود المعلوم بوجه مّا، و أنّ له فردا موجودا بذاته؛ و إلا لزم تقدّم الشيء على نفسه، أو وجود الممكن من غير سبب، إذ جميع الممكنات في حكم ممكن واحد في خلوّ ذاته عمّا يوجب الاتّصاف بالوجود، فبملاحظة خلوّ ذات الممكن و عريه عن طبيعة الوجود ذاتا و اقتضاءا و استلزاما، و ملاحظة استحالة كون المحال قابلا للوجود، يحكم العقل الصّافي عن المحذورات و الأمراض النفسانيّة بوجود القيّوم المستغني عمّا سواه كما قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [٣/ ١٨] و كقوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٤١/ ٥٣].
و بالنظر إلى العالم و طبائع الحركات و المتحركات و دقائق الصنع العجيب و النظم الغريب في الممكنات كما أرشده اللّه في القرآن- و ليس فوق بيان اللّه و رسوله بيان- فقال: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً- إلى