تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٦ - التحقيق الثاني
منشؤه مجرد الإمكان- أو بحسب تضاعفه- الذي هو من لوازم الماهية التي لا يمكن زوالها و انجبارها و لهذا لا يعدّونه شرا لكونه ملائما لتلك الماهيّة غير غريب عنها و ليس كالآفة و المرض اللاحق، و أمّ الهيولي و الجسميّة- التي يجري مجراه عند قوم- فهي مبدأ النقائص الشخصية كالتشويهات في الخلقة أو ذمائم الصفات في النفس كالجهل و البخل و القساوة و غيرها، أو قبائح الأفعال كالزنا و اللواطة و السرقة و أمثالها، فإن منشأ الكل هو التعلق بهذا البدن المادّي و لكن يمكن إزالتها بتهذيب النفس و فعل الخيرات و تبديل السيّئات بالحسنات بقبول المواعظ و الحكم و استماع الآيات و الأحاديث على وجه التدبّر فيها عند الإصغاء، و إجابة دعوة الأنبياء فيما جاؤوا به، و الاقتداء بالأئمة الهادين المهديّين المعصومين عن الخطاء- سلام اللّه عليهم من الملك الأعلى.
و ملاك الأمر في جميع ذلك هو قطع التعلّق عن الدنيا و رفض عالم الهيولى لتزيّن الروح بالمعارف الحقّة الإلهية، و المعالم اليقينيّة الدينيّة التي هي السعادة العظمى.
فقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ إشارة إلى ذلك القطع و الرفض، و يُؤْمِنْ بِاللَّهِ إشارة إلى تزيّن النفس بمعرفة الحق الأول بما له من نعوت جلاله و جماله، و كيفيّة صدور أفعاله و آثاره في البدو و الإعادة، فالأول تخلية و الثاني تحلية.
فبهذين الوسيلتين- أي التخلية و التحلية استمسك الإنسان بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، و هو مجاورة الحق الأول و الانخراط في سلك مقربيه من أهل الجبروت و الملكوت.
و تاسعها: القوة الوهمية التي هي أعظم جنود الشيطان، إذ بوسيلتها يتصرّف الشياطين بالإغواء و الإضلال في نفوس الإنسان، و سيأتيك لهذا المعنى وجه إنشاء اللّه تعالى.