سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - الباب الثالث و العشرون في وفد ثقيف إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
فلما رجع الوفد خرجت ثقيف يتلقّونهم فلما رآهم ساروا العنق و قطروا الإبل قال بعضهم لبعض ما جاء وفدكم بخير، و قصد الوفد اللّات، و نزلوا عندها. فقال ناس من ثقيف إنهم لا لا عهد لهم برؤيتنا، ثم رحل كل رجل منهم إلى أهله فسألوهم: ما ذا جئتم به؟ قالوا: أيتنا رجلا فظّا غليظا قد ظهر بالسيف و داخ له العرب قد عرض علينا أمورا شدادا: هدم اللّات.
فقالت ثقيف: و اللّه نقبل هذا أبدا.
فقال الوفد: أصلحوا السلاح و تهيّئوا للقتال. فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى اللّه في قلوبهم الرّعب، فقالوا: و اللّه ما لنا به من طاقة فارجعوا فأعطوه ما سأل. فلما رأى الوفد إنهم قد رغبوا و اختاروا الإيمان قال الوفد: فإنا قاضيناه و شرطنا ما أردنا و وجدناه أتقى الناس و أوفاهم و أرحمهم و أصدقهم، و قد بورك لنا و لكم في مسيرنا إليه فاقبلوا عافية اللّه.
فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث؟ فقالوا: أردنا أن ننزع من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم و مكثوا أياما. ثم قدم رسل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و عمدوا إلى اللّات ليهدموها، و خرجت ثقيف كلها حتى العواتق من الحجال لا ترى أنها مهدومة و يظنون أنها ممتنعة. فقام المغيرة فأخذ الكرزين فضرب ثم سقط فارتجّ أهل الطائف و قالوا: أبعد اللّه المغيرة قتلته الرّبّة و فرحوا و قالوا: و اللّه لا يستطاع هدمها.
فوثب المغيرة و قال: «قبحكم اللّه يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة و مدر فاقبلوا عافية اللّه و اعبدوه». ثم ضرب الباب فكسره ثم علا سورها و علا الرجال معه يهدمونها حجرا حجرا حتى سوّوها. و قال صاحب المفتاح: ليغضبنّ الأساس فليخسفنّ بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا ترابها. و أقبل الوفد حتى قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحليّها و كسوتها، فقسمه من يومه، و حمد اللّه تعالى على نصرة نبيّه و إعزاز دينه.
و قال عثمان بن أبي العاص، كما رواه عنه أبو داود: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم. و قال عثمان: إنما استعملني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأني كنت قرأت سورة البقرة،
فقلت: يا رسول اللّه إن القرآن ينفلت منّي، فوضع يده على صدري و قال: «يا شيطان اخرج من صدر عثمان».
فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه.
و في صحيح مسلم: قلت يا رسول اللّه إن الشيطان قد حال بيني و بين صلاتي و قراءتي، فقال: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوّذ باللّه منه و اتفل على يسارك ثلاثا».
قال: ففعلت فأذهبه اللّه عني.