سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - تنبيهات
رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثهم يرصدون عيرا لقريش، و ظاهر هذا الحديث أن هذه السرية كانت قبل الهدنة بالحديبية، فإنه من حين صالح رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قريشا لم يكن ليرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن و هدنة إلى حين الفتح. و يبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه اتفقت مرتين مرة قبل الصلح و مرة بعده. قلت و سيأتي في الثالث من كلام الحافظ ما يروي الغليل.
الثاني: قال في الهدي: قول من قال إنها كانت في رجب و هم غير محفوظ، إذ لم يحفظ عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه غزا في الشهر الحرام و لا أغار فيه و لا بعث فيه سرية، و قد عيّر المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجب في قصة العلاء بن الحضرمي، و قالوا: استحل محمد الشهر الحرام و أنزل اللَّه تعالى في ذلك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة ٢١٧] و لم يثبت نسخ هذا بنصّ يجب المصير إليه و لا أجمعت الأمة على نسخة. قال [البرهان] في النور: و هو كلام حسن مليح لكنه على ما اختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام و سلفه عطاء و أهل الظاهر و شيخه أبي العبّاس بن تيمية و هو خلاف ما عليه المعظم. و قوله في قصة العلاء بن الحضرمي صوابه عمرو بن الحضرمي أخو العلاء و العلاء ليس صاحب هذه السرية بل صاحبها و أميرها عبد اللَّه بن جحش.
الثالث: قال في الفتح: لا يغاير ما في الصحيح أن هذه السرية بعثها رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لترصد عيرا لقريش، و ما ذكره ابن سعد أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثهم لحيّ من جهينة و أن ذلك كان في شهر رجب لإمكان الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش و يقصدون حيّا من جهينة، و يقوّي هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيدة اللَّه بن مقسم عن جابر قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثا إلى أرض جهينة، فذكر القصة. لكن تلقي عير قريش ما يتصوّر أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة بل يقتضي ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست، أو قبلها قبل الهدنة يحتمل أن يكون تلقّيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة. و لهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا بل أنهم أقاموا نصف شهر و أكثر في مكان واحد و اللَّه تعالى أعلم.
الرابع: وقع في رواية أبي حمزة الخولاني عن جابر عن ابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة أن أمير هذه السرية قيس بن سعد بن عبادة. قال الحافظ: و المحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة بن الجراح. و كان أحد الرواة ظنّ من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزاة ما صنع من نحر الإبل التي نحرها أنه كان أمير السرية و ليس كذلك.
الخامس: ظاهر قول جابر: «بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثا فخرجنا و كنا ببعض الطريق فني