سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧ - الباب الثامن في سرية أمير المؤمنين المجدع في اللّه تعالى عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنه في رجب من السنة الثانية إلى بطن نخلة
و ذكر ابن عائذ فيهم: سهل بن بيضاء و لم يذكر سهيلا و لا خالدا و لا عكّاشة. و ذكر ابن سعد فيهم المقداد بن عمرو- و هو الذي أسر الحكم بن كيسان- و قال ابن سعد: كانوا اثني عشر [من المهاجرين] كل اثنين يعتقبان بعيرا. و روى الطبراني بسند حسن عن زرّ [بن حبيش] (رحمه اللّه تعالى) قال: «أول راية رفعت في الإسلام راية عبد الله بن جحش».
فانطلق عبد الله بن جحش حتى إذا كان مسيرة يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «سر باسم اللّه و بركاته و لا تكرهنّ أحدا من أصحابك على السير معك، و امض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصّد عير قريش و تعلّم لنا أخبارهم». فلما نظر في الكتاب قال: سمعا و طاعة.
و قرأه على أصحابه و قال: [قد أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر] و قد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق، و من كره ذلك فليرجع. [فأما أنا فماض لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)]» فقالوا أجمعون:
«نحن سامعون مطيعون للّه تعالى و لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) و لك، فسر على بركة اللّه».
فسار و معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، و سلك على الحجاز، حتى إذا كان بمكان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضلّ سعد بن أبي وقاص و عتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا في طلبه يومين، و لم يشهدا الموقعة، و قدما المدينة بعدهم بأيام. و مضى عبد الله بن جحش في بقية أصحابه حتى نزل بنخلة. فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا و أدما و تجارة من تجارة قريش جاءوا بها من الطائف، فيها عمرو بن الحضرمي، و عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي و أخوه نوفل بن عبد الله، و قيل بل أخوهما المغيرة، و الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم أصحاب العير هابوهم و أنكروا أمرهم، و قد نزلوا قريبا منهم. فحلق عكّاشة بن محصن رأسه، و قيل واقد بن عبد الله، ثم وافى ليطمئن القوم. فلما رأوه قالوا: لا بأس عليكم منهم، قوم عمّار. فأمنوا و قيّدوا ركابهم و سرحوها و صنعوا طعاما.
فاشتور المسلمون في أمرهم و ذلك في آخر يوم من رجب و يقال أول يوم من شعبان و قيل في آخر يوم من جمادى الآخرة. فشكّوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام؟ أم لا.
فقالوا: و اللّه لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به و لئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم و هابوا [الإقدام عليهم]. ثم شجّعوا أنفسهم. و أجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم و أخذ ما معهم.
فرمى واقد بن عبد اللَّه [التميمي] عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، و شدّ المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبد اللَّه بن المغيرة، و الحكم بن كيسان، أسره المقداد بن عمرو،