سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨ - الباب الثامن في سرية أمير المؤمنين المجدع في اللّه تعالى عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنه في رجب من السنة الثانية إلى بطن نخلة
و أعجز القوم نوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة، عند من يقول إنه كان معهم، و من قال إن نوفلا لم يكن معهم جعل الهارب المغيرة.
و حاز المسلمون العير، و عزل عبد اللَّه بن جحش لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خمس تلك الغنيمة، و قسّم سائرها بين أصحابه، فكان أوّل خمس خمّس في الإسلام، و أوّل غنيمة، و أول قتيل بأيدي المسلمين عمرو بن الحضرمي، و أوّل أسير كان في الإسلام عثمان بن عبد اللَّه، و الحكم بن كيسان.
و ذلك قبل أن [يفرض الخمس من المغانم، فلما أحلّ اللَّه تعالى الفيء بعد ذلك و أمر بقسمه و فرض الخمس فيه] وقع على ما كان صنع عبد اللَّه بن جحش في تلك العير، و قال بعضهم: بل قدموا بالغنيمة كلها. و روى الطبراني بسند حسن عن زرّ [بن جيش] رضي اللَّه تعالى عنه قال: أول مال خمّس في الإسلام مال عبد اللَّه بن جحش.
ثم سار عبد اللَّه بالعير و الأسيرين إلى المدينة، فلما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام». فأوقف العير و الأسيرين و أبى أن يأخذ من ذلك شيئا. و يقال إن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أوقف غنائم، أهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، و أعطى كل قوم حقهم. فلما قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك سقط في أيدي القوم و ظنوا أنهم قد هلكوا و عنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.
و قالت قريش: «قد استحلّ محمد و أصحابه الشهر الحرام، و سفكوا فيه الدماء، و أخذوا فيه الأموال، و أسروا فيه الرجال». فقال: «من يردّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكة، إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان»؟ و قال يهود تفاءل بذلك على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد اللَّه: عمرو، عمرت الحرب، و الحضرمي حضرت الحرب، و واقد بن عبد اللَّه، و قدت الحرب».
فجعل اللَّه تعالى ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل اللَّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم): يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة ٢١٧]. أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل اللَّه مع الكفر به و عن المسجد الحرام و إخراجكم منه و أنتم أهله أكبر عند اللَّه من قتل من قتلتم منهم. وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ و قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند اللَّه من القتل. فلما نزل القرآن بهذا الأمر، و فرّج اللَّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق قبض رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الغنيمة أو خمسها و الأسيرين.