سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٨ - الباب الخامس و الستون في وفود عبد القيس إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إخبار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بطلوعهم قبل قدومهم
يأكلونها، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسمي لهم هذا كذا و هذا كذا، قالوا: أجل يا رسول اللّه ما نحن بأعلم بأسمائها منك. و قالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية الذي بقي في نوطك فقام و جاءه بالبرنيّ. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذا البرنيّ أمسى من خير ثمراتكم».
و روى ابن سعد [١] عن عروة بن الزبير (رحمه اللّه تعالى) قال: و حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قالا: كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلا منهم، فقدم عليه عشرون رجلا رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، و فيهم الجارود، و منقذ بن حيّان، و هو ابن أخت الأشجّ، و كان قدومهم عام الفتح،
فقيل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هؤلاء وفد عبد القيس.
قال: «مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس». قال: و نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا و قال: «ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام قد أنضوا الرّكاب و أفنوا الزاد بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالا، هم خير أهل المشرق». قال:
فجاءوا عشرين رجلا و رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في المسجد، فسلّموا عليه، و سألهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أيّكم عبد الله الأشجّ؟» فقال: أنا يا رسول اللّه، و كان رجلا دميما، فنظر إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «إنه لا يستقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجال إلى أصغريه لسانه و قلبه».
و ذكر نحو ما سبق.
و روى الإمام أحمد عن الزّارع بن عامر أنه قال: يا رسول اللّه إن معي رجلا خالا لي، مصابا فادع اللّه تعالى له. فقال: «أين هو؟ ائتني به». قال: فصنعت مثل ما صنع الأشجّ، ألبسته ثوبيه و أتيته به، فأخذ طائفة من ردائه فرفعها حتى بان بياض إبطه، ثم ضرب ظهره و قال: «اخرج عدو اللّه».
فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده بين يديه فدعا له و شجّ وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يفضل عليه.
و روى الشيخان [٢] عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «من القوم؟» قالوا: من ربيعة. قال: «محراب بالقوم غير خزايا و لا ندامى».
فقالوا: يا رسول اللّه إنا نأتيك من شقّة بعيدة و إنه يحول بيننا و بينك هذا الحيّ من كفّار مضر و إنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، و في رواية: لا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم فمرنا بأمر فصل إن عملنا به دخلنا الجنّة. قال: «آمركم بأربع و أنهاكم عن أربع» قال: أمرهم بالإيمان باللّه وحده و قال: «هل تدرون ما الإيمان باللّه؟». [قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال:] «شهادة ألا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و أن تعطوا
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٢/ ٥٤.
[٢] أخرجه البخاري (٧٢٦٦) و مسلم ١/ ٤٧ (٢٤- ١٧).