سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٢ - ذكر رجوع وفد نجران إلى بلادهم و ما وقع في ذلك من الآيات
رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران ٨١].
ذكر رجوع وفد نجران إلى بلادهم و ما وقع في ذلك من الآيات
ثم لما قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران و مع الأسقف أخ له من أمه و هو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية و كنيته أبو علقمة. فدفع الوفد كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الأسقف فبينا هو يقرأه، و أبو علقمة معه، و هما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكنّي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال له الأسقف عند ذلك: قد و اللّه تعست نبيا مرسلا. فقال له بشر: لا جرم و اللّه لا أحلّ عقدا حتى آتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فصرف وجه ناقته نحو المدينة و ثنى الأسقف ناقته عليه. فقال له: افهم عنّي إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا إنا أخذنا حقّه [أو رضينا بصورته] أو نجعنا بما لم تنجع به العرب، و نحن أعزّهم و أجمعهم دارا.
فقال له بشر: لا و اللّه لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، و هو مولّي الأسقف ظهره و ارتجز يقول:
إليك تعدو قلقا و ضينها* * * معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النّصارى دينها
حتى أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسلم و لم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال: و دخل الوفد نجران فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي و هو في رأس صومعته. فقال له: إن نبيّا بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا و إن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني و إلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة.
قال: فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء و العقب و العصا. فأقام الراهب مدّة بعد ذلك يسمع الوحي و السنن و الفرائض و الحدود، ثم رجع إلى قومه و لم يقدّر له الإسلام و وعد أنه سيعود فلم يعد حتى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).