سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - ذكر مسير المسلمين و وداع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وصيته إياهم
إسحاق: «ثم خرج القوم و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يشيّعهم حتى إذا ودّعهم و انصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه عنه:
خلف السّلام على امرئ ودّعته* * * في النّخل خير مشيّع و خليل»
و روى محمد بن عمر عن خالد بن يزيد (رحمه اللّه تعالى) قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مشيّعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنيّة الوداع فوقف و وقفوا حوله فقال: «اغزوا باسم اللّه فقاتلوا عدوّ اللّه و عدوّكم بالشام و ستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم و ستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف، لا تقتلنّ امرأة و لا صغيرا ضرعا و لا كبيرا فانيا و لا تقربن نخلا و لا تقطعنّ شجرا و لا تهدمنّ بيتا» [١].
و روى محمد بن عمر [الواقدي] عن زيد بن أرقم [رفعه] أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أوصيكم بتقوى اللّه و بمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم اللّه في سبيل اللّه من كفر باللّه لا تغدروا و لا تغلّوا و لا تقتلوا وليدا و إذا لقيتم عدوّكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فأيّتهنّ ما أجابوكم إليها فاقبلوا منهم و كفّوا عنهم الأذى ثم ادعوهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبروهم أن لهم ما للمهاجرين و عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبروهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم اللّه [الذي يجري على المؤمنين] و لا يكون لهم في الغنيمة و الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم و كفّوا عنهم فإن هم أبوا فاستعينوا باللّه عليهم و قاتلوهم و إن حاصرتم أهل حصن أو مدينة فأرادوكم أن تجعلوا لهم ذمة اللّه و ذمّة رسوله فلا تجعلوا لهم ذمّة اللّه و لا ذمّة رسوله و لكن اجعلوا لهم ذمّتكم و ذمّة آبائكم إن تخفروا ذممكم و ذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة اللّه و ذمة رسوله».
و ذكر نحو ما سبق.
و روى محمد بن عمر عن عطاء بن مسلم [٢] (رحمه اللّه تعالى) قال: «لما ودّع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول اللّه مرني بشيء أحفظه عنك قال:
«إنك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل فأكثر السجود» قال عبد الله بن رواحة: زدني يا رسول اللّه. قال: «اذكر اللّه فإنه عون لك على ما تطالب». فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع فقال: يا رسول اللّه إن اللّه وتر يحب الوتر فقال: «يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجزنّ إن
[١] أخرجه البيهقي في السنن ٩/ ٦٩.
[٢] عطاء بن أبي مسلم مولى المهلب بن أبي صغرة أبو أيوب الخراساني نزيل الشام واحد الأعلام عن أبي الدرداء و معاذ، و ابن عباس مرسلا و روى عن يحيى بن يعمر و نافع و عكرمة و عنه و ابن جريج و الأوزاعي، و مالك و شعبة و حماد بن سلمة قال عبد الرحمن بن يزيد: كان يحيي الليل. و ثقه ابن معين و أبو حاتم. قال ابنه عثمان: مات سنة خمس و ثلاثين و مائة، عن خمس و ثمانين سنة. قاله أبو نعيم الخلاصة ٢/ ٢٣١.