سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٠ - الباب السادس و الخمسون في وفود صداء إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته من الصدقات و أني غني. ثم إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اعتشى من أوّل الليل فلزمت [غرزه] و كنت قريبا منه فكان أصحابه ينقطعون عنه و يستأخرون عنه حتى إذا لم يبق معه أحد غيري فلما كان أذان صلاة الصبح أمرني فأذنت فجعلت أقوال أقم الصلاة يا رسول اللّه،
فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينظر ناحية المشرق إلى الفجر و يقول لا، حتى إذا طلع الفجر نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فذهب لحاجته، ثم انصرف إليّ و تلاحق أصحابه فقال:
«هل من ماء يا أخا صداء؟» فقلت: لا إلا شيء قليل لا يكفيك. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اجعله في إناء ثم ائتني به». ففعلت، فوضع كفّه في الماء. فقال زياد: فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور. ثم قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يا أخا صداء لو لا أني استحي من ربّي عز و جل لسقينا و استقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء». فناديت فيهم. فأخذ من أراد منهم شيئا.
ثم قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن أخا صداء هذا أذّن فهو يقيم». قال الصّدائي: فأقمت الصلاة. فلما قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول اللّه اعفني من هذين الكتابين. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما بدا لك؟» فقلت: سمعتك يا رسول اللّه تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» و أنا مؤمن باللّه تعالى و رسوله، و سمعتك تقول للسائل: «من سأل الناس عن غني فصداع في الرأس و داء في البطن» و قد سألتك و أنا غني.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هو ذاك فإن شئت فاقبل و إن شئت فدع». فقلت: أدع. فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فدلّني على رجل أؤمّره عليكم». فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمّره عليهم.
ثم قلنا: يا رسول اللّه إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها و اجتمعنا عليها و إذا كان الصيف قلّ ماؤها فتفرقنا على المياه حولنا، و كلّ من حولنا لنا عدوّ فادع اللّه لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها و لا نتفرّق. فدعا بسبع حصيّات ففركهنّ بيده و دعا فيهن ثم قال:
«اذهبوا بهذه الحصيّات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة و اذكروا اسم اللّه تعالى» [١].
قال زياد الصّدائي: ففعلنا ما قال فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها.
و عند ابن سعد: و رجعوا أي الخمسة عشر إلى بلادهم ففشا فيهم الإسلام فوافى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مائة رجل منهم في حجة الوداع.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٢/ ٦٣ و الطبراني في الكبير ٥/ ٣٠٣ و البيهقي في الدلائل ٥/ ٣٥٥ و ذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٦ و المتقي الهندي في الكنز (٣٧٠٧٥).