سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٤ - تنبيه في بيان غريب ما سبق
المكيال و الميزان إلّا أخذوا بالسّنين و شدّة المؤنة و جور السلطان، و لم يمنعوا الزّكاة من أموالهم إلّا أمسك اللَّه عنهم قطر السماء و لو لا البهائم لم يسقوا، و ما نقضوا عهد اللَّه و عهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوّ من غيرهم فأخذ بعضهم ما كان في أيديهم و ما حكم قوم بغير كتاب اللَّه إلّا جعل بأسهم بينهم». و في رواية: «إلّا ألبسهم شيعا و أذاق بعضهم بأس بعض».
ثم قال: قد كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل. و كان رجاله معسكرين بالجرف و كانوا سبعمائة. فقال عبد الرحمن: «أحبّ يا رسول اللَّه أن يكون آخر عهدي بك و عليّ ثياب سفري». فأقعده بين يديه ثم نفض عمامته بيده ثم عممه بعمام [من كرابيس] سوداء. فأرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحو ذلك.
ثم قال: «هكذا يا ابن عوف فاعتمّ فإنه أحسن و أعرف» [١].
ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللّواء فدفعه إليه، فحمد اللَّه تعالى و صلّى على نفسه، ثم قال:
«خذه يا ابن عوف اغزوا باسم اللَّه، في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه لا تغلّوا و لا تغدروا و لا تنكثوا و لا تمثّلوا و لا تقتلوا وليدا فهذا عهد اللَّه و سنّة نبيكم فيكم».
فأخذ عبد الرحمن اللواء و خرج حتى لحق بأصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل.
فلما حلّ بها دعاهم إلى الإسلام. فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام. و قد كانوا أبوا أول ما قدم ألّا يعطوا إلا السيف. فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي. و كان نصرانيا و كان رئيسهم و أسلم معه ناس كثير من قومه، و أقام من أقام منهم على إعطاء الجزية.
فكتب عبد الرحمن إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخبره بذلك و أنه أراد أن يتزوج فيهم. و بعث الكتاب مع رافع بن مكيث الجهينيّ فكتب إليه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يتزوج بنت الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن و بنى بها، ثم أقبل بها و هي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
و ذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث أبا عبيدة بن الجراح في سرية إلى دومة الجندل كما سيأتي.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
دومة: بدال مهملة مضمومة و تفتح فواو ساكنة فميم فتاء تأنيث و يقال دوماء بالمدّ.
الجندل: بفتح الجيم و سكون النون و فتح الدال و باللام: حصن و قرى من طرف الشام بينها و بين دمشق خمس ليال و بينها و بين المدينة الشريفة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة.
أكيس: يقال كاس الرجل في عمله لدنيا أو آخرة كيسا جاد عقله.
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٣ و عزاه للطبراني في الأوسط و قال: إسناده حسن و انظر البداية و النهاية ٥/ ٢٢٠.