سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٩ - تنبيه في بيان غريب ما سبق
الباب الخامس و الثمانون في وفود محارب إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى ابن سعد [١] (رحمه اللّه تعالى) عن أبي وجرة السّعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، و هم عشرة نفر منهم سواء بن الحارث، و ابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحدث، و كان بلال يأتيهم بغداء و عشاء إلى أن جلسوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوما من الظهر إلى العصر، فأسلموا و قالوا: نحن على من وراءنا، و لم يكن أحد في تلك المواسم التي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعرض نفسه فيها على القبائل يدعوهم إلى اللّه و لينصروه، أفظّ و لا أغلظ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منهم.
و كان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأمدّه النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول اللّه توهمني، قال: «لقد رأيتك». قال المحاربي: أي و اللّه لقد رأيتني و كلّمتني و كلّمتك بأقبح الكلام و رددت عليك بأقبح الرّدّ بعكاظ و أنت تطوف على الناس. فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «نعم» فقال المحاربي [يا رسول اللّه ما كان في أصحابي أشدّ عليك يومئذ و لا أبعد عن الإسلام مني] فأحمد اللّه الذي أبقاني حتى صدّقت بك، و لقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم. فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن هذه القلوب بيد اللّه عز و جل». فقال: يا رسول اللّه، استغفر لي من مراجعتي إياك. فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن الإسلام يجبّ ما كان قبله من الكفر».
و مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وجه خزيمة بن سواء فكانت له غرّة بيضاء، و أجازهم كما يجيز الوفد و انصرفوا إلى أهليهم. و روى ابن شاهين و أبو نعيم في معرفة الصحابة، و أبو بكر بن خلّاد النصيبي في الجزء الثاني من فوائده عن أبان المحاربي و يقال له أبان العبدي قال: «كنت في الوفد فرأيت بياض إبط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين رفع يديه يستقبل بهما القبلة».
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:.
أغلظ العرب و أفظّه: بالظاء المعجمة المشالة هما بمعنى شدّة الخلق و خشونة الجانب.
نائبين: بالنون في أوله من النيابة.
توهمني: حذف منه إحدى التاءين أي تتوهّمني. رأيتك: بضم الفوقية.
و رأيتني و كلّمتني: بفتح الفوقية فيهما على الخطاب.
عكاظ: بعين مهملة مضمومة و كاف مخففة و بعد الألف ظاء معجمة مشالة.
فأحمد اللّه: بفتح الهمزة و الميم.
يجبّ: بفتح التحتية و ضم الجيم و تشديد الموحدة يقطع.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٤٣٦.