سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩ - تنبيهات
الباب الثالث في اعتذاره عن تخلفه عن صحبة السرايا (صلّى اللّه عليه و سلم) و إعطائه سلاحه لمن يقاتل به
عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «و الذي نفسي بيده لو لا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل اللّه أبدا، و لكن لا أجد سعة فأحملهم و لا يجدون سعة فيتبعوني، و يشقّ عليهم أن يقعدوا بعدي»- و في لفظ: «و لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني- «و الذي نفسي بيده لوددت أني أغزو في سبيل اللّه و أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا» [١] بتكريره ست مرات، رواه الإمامان مالك و أحمد و الشيخان و النسائي و ابن ماجة.
و عن [جبلة بن حارثة] قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا لم يغز أعطى سلاحه عليا أو أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما [٢]، رواه أحمد و أبو يعلى.
تنبيهات
الأول: الحكمة في بيان إيراد
قوله: «و الذي نفسي بيده»
مرة ثانية عقب الأولى إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكأنه قال: الوجه الذي تسيرون فيه له من الفضل ما أتمنّى لأجله أن أقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي و القعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. و قد خرج (صلّى اللّه عليه و سلم) في بعض المغازي، و تخلف عن المشار إليهم و كان ذلك حيث [رجحت] مصلحة خروجه على مراعاة حالهم.
الثاني: استشكل صدور هذا التمني من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مع علمه بأنه لا يقتل، و أجيب بأن تمنّي الفضل و الخير لا يستلزم الوقوع، فقد
قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «وددت لو أن موسى صبر»
[٣]، فكأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد و تحريض المسلمين عليه.
الثالث: قال النووي (رحمه اللّه تعالى): «في هذا الحديث حسن النية و بيان شدة شفقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على أمته و رأفته بهم و استحباب القتل في سبيل اللّه تعالى، و جواز قول وددت
[١] أخرجه البخاري ٦/ ٢٠ (٢٧٩٧) و البيهقي في السنن ٩/ ٢٤.
[٢] ذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٨٦ و عزاه لأحمد و الطبراني في الكبير و الأوسط و رجال أحمد ثقات.
[٣] أخرجه البيهقي في الأسماء و الصفات (١١٧) و أخرجه البخاري بنحوه ٤/ ١٩٠.