سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨ - تنبيهات
أعلم العالمين». قال: «و قولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا لأن النسب إلى ذات دور».
و قال التاج الكندي في الرد على الخطيب ابن نباتة [١] في قوله: كنه ذاته، ذات بمعنى صاحبة تأنيث ذو، و ليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، و إطلاق المتكلمين و غيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين. و تعقّب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى و استعملت بمعنى الاسمية فلا محذور كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران ١١٩] أي بنفس الصدور.
و قد حكى المطرزي [٢] (رحمه اللّه تعالى) أن كل ذات شيء و كل شيء ذات. و قال الإمام النووي (رحمه اللّه تعالى) في تهذيبه: «مراد الفقهاء بالذات الحقيقية» و هذا اصطلاح المتكلمين و قد أنكره بعض الأدباء عليهم و قال إنه لا يعرف في لغة العرب ذات بمعنى الحقيقة [و إنما ذات بمعنى صاحبة] و هذا الإنكار منكر بل الذي قاله الفقهاء و المتكلمون صحيح فقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي [في أول سورة الأنفال] في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ قال: [أبو العباس أحمد بن يحيى] ثعلب: معنى ذات بينكم أي الحالة التي بينكم فالتأنيث عنده للحالة [و هو قول الكوفيين] و قال الزّجّاج: معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم و المراد بالبين الوصل فالتقدير: فأصلحوا حقيقة وصلكم. قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس [كما يقال ذات الشيء و نفسه]. انتهى.
و على جواز ذلك مشى الإمام البخاري فقال في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ما يذكر في الذات و النعوت) [٣]. فاستعملها على نحو ما تقدم من أن المراد بها نفس الشيء و حقيقته على طريقة المتكلمين في حق اللَّه تعالى، ففرّق بين النعوت و الذات و استدل البخاري على ذلك بقول خبيب السابق. و تعقبه السبكي (رحمه اللّه تعالى) بأن خبيبا لم يرد بالذات الحقيقة التي هي مراد البخاري، و إنما مراده: في سبيل اللَّه أو في طاعته.
[١] عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي، أبو يحيى: صاحب الخطب المنبرية. كان مقدما في علوم الأدب، و أجمعوا على أن خطبه لم يعمل مثلها في موضوعها و سكن حلب فكان خطيبها. و اجتمع بالمتنبي في خدمة سيف الدولة الحمداني. و كان سيف الدولة كثير الغزوات، فأكثر ابن نباتة من خطب الجهاد و الحث عليه. و كان تقيا صالحا. توفي بحلب. له «ديوان خطب» الأعلام ٣/ ٣٤٧، ٣٤٨.
[٢] ناصر عبد السيد أبي المكارم بن علي، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المطرزي: أديب، عالم باللغة، من فقهاء الحنفية. ولد في جرجانية خوارزم سنة ٥٢٨ هجرة و دخل بغداد حاجا سنة ٦٠١ و توفي في خوارزم سنة ٦١٠ هجرة كان رأسا في الاعتزال و لما توفي رثي بأكثر من ٣٠٠ قصيدة من كتبه الإيضاح في شرح مقامات الحريري و المصباح في النحو و المعرب في اللغة شرحه و رتبه في كتابه «المغرب في ترتيب المعرب» و غير ذلك ... انظر الأعلام ٧/ ٣٤٨.
[٣] البخاري ١٣/ ٣٩٣.