سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - ذكر رجوع المسلمين إلى المدينة و تلقي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمين لهم
فرّار فررتم في سبيل اللَّه. قال: فيقول رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ليسوا بالفرّار و لكنهم الكرّار إن شاء اللَّه تعالى» [١].
و روى الإمام أحمد، و أبو داود، و ابن ماجة عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: «كنت في سرية من سرايا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فحاص الناس و كنت فيمن حاص.
و في رواية: فلما لقينا العدوّ في أول غادية فأردنا أن نركب البحر فقلنا كيف نصنع و قد فررنا من الزحف؟
ثم قلنا لو دخلنا المدينة [قتلنا]، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا. ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاعتذرنا إليه، فإن كانت لنا توبة و إلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: «من القوم؟». قلنا نحن الفرّارون، قال: «بل أنتم الكرّارون و أنا فئتكم». أو قال: «و أنا فئة كل مسلم». قال: فقبّلنا يده [٢].
و روى ابن إسحاق عن أم سلمة [زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)] رضي اللَّه تعالى عنهما أنها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و مع المسلمين؟ قالت: و اللَّه ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس: يا فرّار فررتم من سبيل اللَّه، حتى قعد في بيته فما يخرج، و كان في غزوة مؤتة.
و عن خزيمة بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه قال: «حضرت مؤتة و برز لي رجل منهم فأصبته و عليه بيضة فيها ياقوتة فلم يكن همّي إلا الياقوتة فأخذتها. فلما انكشفنا رجعنا إلى المدينة فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فنفّلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل». رواه البيهقي.
قال في البداية: لعل طائفة منهم فرّوا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف، و كان المسلمون ثلاثة آلاف، و مثل هذه يسوّغ الفرار، فلما فرّ هؤلاء ثبت باقيهم و فتح اللَّه عليهم و تخلّصوا من أيدي أولئك و قتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الزهري و موسى بن عقبة و العطّاف بن خالد، و ابن عائذ، و حديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم و سلبوا من أشرافهم و قتلوا من أمرائهم و قد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضي اللَّه تعالى عنه قال: «اندقت في يدي تسعة أسياف إلخ» يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا و لو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم و هذا وحده دليل مستقل.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١/ ٩٣.
[٢] أخرجه أبو داود ٢/ ٥٢ (٢٦٤٧). و الترمذي ٤/ ١٨٦ (١٧١٦). و أحمد في المسند ٢/ ١١١ و البيهقي في السنن ٩/ ٧٨ و أبو نعيم في الحلية ٩/ ٥٧.