سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٥ - ذكر مسير المسلمين و وداع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وصيته إياهم
كان لخليقا للإمارة و إن كان لمن أحبّ الناس إليّ و إن هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده» [١].
و روى الإمام أحمد و النسائي و ابن حبّان في صحيحه، و البيهقي عن أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه قال: «بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جيش الأمراء و قال: «عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فأن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة» قال: فوثب جعفر رضي اللّه عنه و قال:
[بأبي أنت و أمي] يا رسول اللّه ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا) فقال: «امض فإنك لا تدري أي ذلك خير» [٢].
ذكر مسير المسلمين و وداع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وصيته إياهم
قال عروة بن الزبير [٣]: «فتجهّز الناس ثم تهيّئوا للخروج و هم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودّع الناس أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سلّموا عليهم. فلما ودّع عبد اللّه رواحة مع من ودّع من أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بكى، فقالوا: «ما يبكيك يا ابن رواحة؟» فقال: «أما و اللّه ما بي حبّ الدنيا و لا صبابة بكم و لكني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقرأ آية من كتاب اللّه عز و جل يذكر فيها النار: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم ٧١] فلست أدري كيف لي بالصّدر بعد الورود؟» فقال المسلمون: «صحبكم اللّه و دفع عنكم وردّكم إلينا صالحين». فقال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه:
لكنني أسأل الرّحمن مغفرة* * * و ضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة* * * بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا
حتّى يقال إذا مرّوا على جدثي* * * يا أرشد اللّه من غاز و قد رشدا
قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيّئوا للخروج فأتى عبد اللّه بن رواحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فودّعه ثم قال:
فثبّت اللّه ما آتاك من حسن* * * تثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا
إنّي تفرّست فيك الخير نافلة* * * اللّه يعلم أنّي ثابت البصر
أنت الرّسول فمن يحرم نوافله* * * و الوجه منك فقد أزري به القدر
هكذا أنشد ابن هشام هذه الأبيات و أنشدها ابن إسحاق بلفظ فيه إقواء قال ابن
[١] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (٤٤٦٨).
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٩٩ و البيهقي في الدلائل ٤/ ٣٦٧ و أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٦ و ابن سعد في الطبقات ٣/ ١/ ٣٢.
[٣] عروة بن الزّبير بن العوام الأسدي، أبو عبد اللّه المدني، أحد الفقهاء السبعة، و أحد علماء التابعين. [و قال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدّلاء.] قال ابن شؤذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، و مات و هو صائم. الخلاصة ٢/ ٢٣١.