سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - الباب التاسع و الثلاثون في وفود بني حنيفة و مسيلمة الكذاب معهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال ابن إسحاق: حدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين جاءه رسولا مسيلمة الكذّاب بكتابه يقول لهما: «و أنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قال: نعم فقال: «أما و الله لو لا أنّ الرّسل لا تقتل لضربت أعناقكما [١].
و روى أبو داود و الطياليسي في مسنده [عن عاصم] عن أبي وائل عن عبد الله [بن مسعود] قال: جاء ابن النّوّاحة، و ابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال لهما: «تشهدان أني رسول اللّه؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «آمنت باللّه و رسله، و لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» [٢].
قال عبد الله [بن مسعود: فمضت السنّة بأن] الرّسل لا تقتل».
و في البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذّاب بالنار، و كنّا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه ألقينا ذلك و أخذناه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به، و كنّا إذا دخل رجب قلنا: جاء منصّل الأسنّة فلا ندع سهما فيه حديدة و لا حديدة في رمح إلا نزعناها و ألقيناها [٣] قلت: و في الصحيحين عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: قدم مسيلمة الكذّاب على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، و قدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و معه ثابت بن قيس بن شمّاس،
و في يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها و لن تعدوا أمر اللّه فيك و لئن أدبرت ليعقرنّك اللّه و إني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، و هذا ثابت بن قيس يجيبك عني [٤].
ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: فسألت عن قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنك أرى الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «بينا أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب فأهمّني شأنهما فأوحي إليّ في المنام أن أنفخهما فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان من بعدي أحدهما العنسي صاحب صنعاء و الآخر مسيلمة صاحب اليمامة» [٥].
و هذا أصحّ من حديث ابن إسحاق المتقدم.
[١] أخرجه أبو داود (١٦٥) و البيهقي ٩/ ٢١١ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (١٤٧٧٩) و ابن كثير في البداية ٥/ ٥١.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩٦، ٤٠٤.
[٣] أخرجه البخاري ٦/ ٤ (٤٣٧٦).
[٤] أخرجه البخاري ٦/ ٥٤ (٣٦٢١).
[٥] أخرجه البخاري ٥/ ٢١٦ و مسلم (١٧٨١) و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٨٣٦١) و ابن كثير في البداية ٥/ ٤٩.