سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - الباب الثاني و الأربعون في سرية غالب بن عبد اللَّه الليثي رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان
الباب الثاني: و الأربعون في سرية غالب بن عبد اللَّه الليثي رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان
روى ابن إسحاق و الإمام أحمد و أبو داود من طريق محمد بن عمر، و ابن سعد (رحمهم اللّه تعالى) عن جندب بن مكيث الجهني رضي اللَّه تعالى عنه، قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) غالب بن عبد اللَّه الليثي، ليث كلب بن عوف في سريّة كنت فيهم، و أمره أن يشنّ الغارة على بني الملوّح بالكديد، و هم من بني ليث. قال: فخرجنا حتى إذا كنّا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء [الليثي] فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام و إنما خرجت إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقلنا لن يضرّك رباط يوم و ليلة إن كنت تريد الإسلام و إن يكن غير ذلك فنستوثق منك. قال: فشددناه وثاقا و خلّفنا عليه رويجلا منا أسود، يقال له سويد بن منحر، و قلنا إن نازعك فاحترز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنّا في ناحية الوادي، و بعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى أتيت تلّا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت فيه و علوت رأسه انبطحت- و في رواية، فاضطجعت على بطني- قال: فو اللَّه إني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له، فقال لامرأته: إني أرى على هذا التلّ سوادا ما رأيته عليه صدر يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرّت منها شيئا.
قال: فنظرت فقالت: و اللَّه ما أفقد من أوعيتي شيئا. فقال لامرأته: ناوليني قوسي و نبلي. فناولته قوسه و سهمين معها، فأرسل سهما فو اللَّه ما أخطأ به جنبي- و لفظ ابن إسحاق، و ابن سعد: بين عينيّ- قال: فانتزعته و ثبت مكاني. ثم رمى بالآخر فخالطني به- و لفظ ابن إسحاق، و ابن سعد، فوضعه في منكبي- فانتزعته فوضعته و ثبتّ في مكاني. فقال لامرأته: و اللَّه لو كان ربيئة لقد تحرّك بعد، لقد خالطه سهمان لا أبالك، فإذا أصبحت فابتغيهما لا تمضغهما الكلاب.
قال: ثم دخل الخباء، و راحت ماشية الحيّ من إبلهم و أغنامهم، فلما احتلبوا و عطنوا و اطمأنوا فناموا شننّا عليهم الغارة فقتلنا المقاتلة و سبينا الذرية و استقنا النّعم و الشّاء فخرجنا نحدرها قبل المدينة حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه و احتملنا صاحبنا و خرج صريخ القوم في قومهم فجاءنا ما لا قبل لنا به، فجاءنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا و بينهم إلا الوادي و هم موجّهون إلينا إذ جاء اللَّه تعالى بالوادي من حيث شاء بماء يملأ جنبتيه، و أيم اللَّه ما رأينا قبل ذلك سحابا و لا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا و قد أسندناها في المشلّل [نحدرها] و في لفظ في المسيل- و فتناهم [فوتا] لا يقدرون فيه على طلبنا، ثم قدمنا