سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٤ - الباب الحادي و الثلاثون في سرية عبد اللَّه بن عتيك إلى أبي رافع عبد اللَّه و يقال سلام بن أبي الحقيق بخيبر و يقال بحصن له بأرض الحجاز و هو الثابت في الصحيح عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما
رجلي فمسها فكأنها لم أشتكيها قط. هذا ما ذكره البخاري في الصحيح من حديث البراء بن عازب، و صرّح فيه بأن عبد اللَّه بن عتيك انفرد بقتله.
و ذكر ابن عقبة و ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد، و غيرهم خلاف ذلك، أدخلت حديث بعضهم في بعض، قالوا: إن عبد اللَّه بن عتيك و أصحابه قدموا خيبر ليلا حين نام أهلها، و أتوا دار ابن أبي الحقيق فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله [و كان في علّية له فأسندوا فيها] حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه. قال ابن سعد: و قدّموا عبد اللَّه بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية- و كانت أمه يهودية أرضعته بخيبر- فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة- و في لفظ: فقال عبد اللَّه بن عتيك و رطن باليهودية: جئت أبا رافع بهديّة- ففتحت لهم و قالت: ذاكم صاحبكم. فأدخلوا عليه. قال: فما دخلنا أغلقنا علينا و عليها الحجرة تخوّفا أن تكون دونه مجادلة تحول بيننا و بينه. قالت:
فصاحت امرأته فنوهت بنا.
و لفظ ابن سعد: «فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت» و ابتدرناه و هو على فراشه بأسيافنا، فو اللَّه ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطيّة ملقاة. قال: و لما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فيكفّ يده و لو لا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد اللَّه بن أنيس [بسيفه] في بطنه حتى أنفذه و هو يقول: قطني قطني، أي حسبي حسبي.
قال: و خرجنا، و كان عبد اللَّه بن عتيك رجلا سيء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثأ شديدا- و يقال رجله فيما قال ابن هشام- و حملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه. و صاحت امرأته فتصايح أهل الدار بعد قتله، فأوقدوا النيران و اشتدّوا في كل وجه يطلبوننا.
و عند ابن سعد أن «الحارث أبا زينب اليهودية التي سمّت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خرج في آثار الصحابة في ثلاثة آلاف يطلبونهم بالنيران فلم يروهم فرجعوا، و مكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب. ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة). فلما أيس اليهود رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه و هو يفيض بينهم.
قال عبد اللَّه بن أنيس: فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو اللَّه قد مات؟ فقال رجل منا- قال محمد بن عمر: هو الأسود بن خزاعي- أنا أذهب فانظر لكم. قال: فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدت امرأته و رجال يهود حوله و في يدها المصباح تنظر في وجهه و تحدثهم و تقول: «أما و اللَّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي و قلت: أنّى ابن عتيك بهذه البلاد»؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه و تحديثهم ثم قالت: «فاظ و إله يهود». فما سمعت كلمة كانت ألذّ إلى نفسي منها.