سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - الباب الرابع و الثلاثون في بعثه (صلّى اللّه عليه و سلم) عمرو بن أمية الضمري رضي اللَّه تعالى عنه ليفتك بأبي سفيان بن حرب قبل إسلامه
شاء اللَّه». فقال عمرو: «فأبى أن يطيعني». [قال عمرو]: فطفنا بالبيت و صلّينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو اللَّه إنا لنمشي بمكة إذ نظر إليّ رجل من أهل مكة فعرفني. قال ابن سعد: هو معاوية بن أبي سفيان. فقال معاوية: «عمرو بن أمية فو اللَّه إن قدمها إلا لشرّ». فأخبر قريشا بمكانه فخافوه و طلبوه و كان فاتكا في الجاهلية و قالوا: «و لم يأت عمرو بخير». فحشدوا له و تجمعّوا. قال عمرو: «فقلت لصاحبي: «النجاء». فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، و خرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه و قد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا فلما أصبحنا غدا رجل من قريش. قال ابن سعد هو عبيد اللَّه بن مالك بن عبيد اللَّه التّميمي. قلت قال ابن إسحاق هو عثمان بن مالك أو عبد اللَّه. يقود فرسا له و يخلي عليها فغشينا و نحن في الغار، فقلت إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا. قال: و معي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة و صاح صحيحة فأسمع أهل مكة، و أرجع فأدخل مكاني. و جاءه الناس يشتدّون و هو بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟ فقال عمرو بن أمية: و غلبه الموت فمات مكانه و لم يدلل على مكاننا. و لفظ رواية إسحاق بن راهويه: فما أدركوا منه ما استطاع أن يخبرهم بمكاننا. فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النّجاء.
فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس و هم يحرسون جيفة خبيب بن عديّ، فقال أحدهم: «و اللَّه ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لو لا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية». قال: فلما حاذى الخشبة شدّ عليها فاحتملها و خرجا شدّا، و خرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة في الجرف فغيبّه اللَّه تعالى عنهم فلم يقدروا عليه.
و لفظ رواية ابن إسحاق: ثم خرجنا فإذا نحن بخبيب على خشبة فقال لي صاحبي:
«هل لك أن تنزل خبيبا عن خشبته؟» قلت: «نعم فتنحّ عني فإن أبطأت فخذ الطريق» فعمدت لخبيب فأنزلته عن خشبته، فحملته على ظهري، فما مشيت به عشرين ذراعا حتى نذر بي الحرس.
و لفظ ابن أبي شيبة، و أحمد بن عمرو: «فخلّيت خبيبا، فوقع إلى الأرض فانتبذت غير بعيد فالتفت فلم أر خبيبا و كأنما الأرض ابتلعته فما رئي لخبيب رمّة حتى الساعة». قال:
«و قلت لصاحبي: «النجاء النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه و كان الأنصاري لا رجلة له». قال:
«و مضيت حتى أخرج على ضجنان، ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه إذ دخل عليّ شيخ من بني الدّيل أعور في غنيمة له فقال: «من الرجل؟» فقلت: «من بني بكر فمن أنت؟» قال: «من بني بكر». فقلت: «مرحبا» فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال:
و لست بمسلم ما دمت حيّا* * * و لا دان بدين المسلمينا