سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٨ - الباب الحادي و التسعون في وفود علماء نجران إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و شهادتهم له بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه و امتناع من امتنع عن ملاعنته
و أنزل اللّه تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٥٩] أي في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب يابس فجعله بشرا:
لحما و دما ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ مثل عيسى عند الله كمثل آدم أي شأنه الغريب كشأن آدم (عليهما السلام). خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسّرة للتمثيل لما له من الشّبه و هو أنه تعالى خلق آدم من تراب بلا أب و لا أمّ فشبّه حاله بما هو أغرب إفحاما للخصم و قطعا لمواد الشبهة، و المعنى خلق قالبه من تراب ثم قال له: كُنْ أي أنشأه بشرا سويا بقوله: كُنْ كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون ١٤]. و يجوز أن تكون «ثمّ» لتراخي الخبر لا المخبر فيكون حكاية حال ماضية.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران ٦٠] خبر محذوف أي الحقّ من اللّه عزّ و جل، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لزيادة الثّبات أو لكل سامع. فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الآيات فأبوا أن يقرأوا. و في ذكر طلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) مباهلة أهل نجران بأمر اللّه تعالى و امتناعهم من ذلك قال اللّه سبحانه و تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران ٦١] أي جادلك من النصارى في عيسى من بعد ما جاءك من البيّنات الموجبة للعلم. فَقُلْ تَعالَوْا [آل عمران ٦١] هلمّوا بالرّأي و العزم نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ [آل عمران ٦١] أي يدع كلّ منا و منكم نفسه و عزّة أهله و ألصقهم بقلبه أي المباهلة، و إنما قدّم على النّفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم و يحارب دونهم، ثم نتباهل أي يلعن الكاذب منّا، و البهلة بالضّمّ [و الفتح] اللّعنة و أصله التّرك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران ٦١] عطف فيه بيان.
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ [آل عمران ٦٢] أي ما ذكره من شأن عيسى حقّ دون ما ذكروه و ما بعده خبر، و اللام لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر و أصلها أن تدخل على المبتدأ. وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران ٦٢] صرّح فيه «بمن» المزيدة للاستقراء تأكيدا للرّدّ على النصارى في تثنيتهم. وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لا أحد يساويه في القدرة الثابتة و الحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران ٦٣] وعيد لهم وضع لهم موضع التميز ليدل على أن التّولّي عن الحجج و الإعراض عن التوحيد إفساد للدّين و الاعتقاد المؤدّي إلى فساد العلم.
و روى الحاكم و صحّحه، و ابن مردويه، و أبو نعيم في الدلائل عن جابر، و أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه، و البيهقي عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جدّه و الشيخ،