سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٦ - الباب الثالث و الثلاثون في سرية كرز بن جابر أو سعيد بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما إلى العرنيين
فمرّت بيسار تحت شجرة، فلما رأته و مرّت به و قد مات رجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر، فخرجوا حتى جاءوا بيسار إلى قباء ميتا. و عند مسلم: «و كان عند رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم». و في رواية: «فبعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أثرهم عشرين فارسا سمّي منهم: سلمة بن الأكوع كما عند محمد بن عمر، و أبو رهم و أبو ذر الغفاريّان، و بريدة بن الحصيب، و رافع بن مكيث و أخوه جندب، و بلال بن الحارث، و عبد اللَّه بن عمرو ابن عوف المزنيّان، و جعال بن سراقة الثعلبي، و سويد بن صخر الجهني، و هؤلاء من المهاجرين.
فيحتمل أن يكون من لم يسمّه محمد بن عمر من الأنصار، فأطلق في رواية الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم. و استعمل عليهم كرز بن جابر الفهري. و روى الطبراني و غيره من حديث جرير بن عبد اللَّه البجليّ رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعثه في آثارهم، و سنده ضعيف. و المعروف أن جريرا تأخّر قدومه عن هذا الوقت بنحو أربعة أعوام. و بعث معهم قائفا يقوف أثرهم و دعا عليهم فقال: «أعم عليهم الطريق و اجعله عليهم أضيق من مسك جمل». فعمّى اللَّه عليهم السبل، فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا. فلما ارتفع النهار جريء بهم إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال محمد بن عمر: فخرج كرز و أصحابه في طلبهم حتى أدركهم الليل فباتوا بالحرّة ثم أصبحوا و لا يدرون أين سلكوا فإذا بامرأة تحمل كتف بعير فأخذوها فقالوا: ما هذا؟ قالت:
مررت بقوم قد نحروا بعيرا فأعطوني هذه الكتف و هم بتلك المفازة إذا وافيتم عليها رأيتم دخانهم. فساروا حتى أتوهم حين فرغوا من طعامهم. فسألوهم أن يستأسروا فاستأسروا بأجمعهم لم يفلت منهم أحد.
فربطوهم و أردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة فوجدوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالرغابة.
فخرجوا بهم نحو رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قال أنس كما عند ابن عمر: خرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان حتى لقي بهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالرغابة بمجتمع السيول، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها. و في رواية فسمرهم. و في رواية فسمر أعينهم. قال أنس كما عند مسلم: «إنما سمل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرّعاء». و في رواية: «فأتي بهم فقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و سمل أعينهم و تركهم في الحرّة حتى ماتوا». و في رواية: «و سمرت أعينهم و ألقوا في الحرّة يستسقون فلا يسقون». قال أنس: «فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش». و في رواية: «ليجد بردها مما يجد من الحر و الشدة حتى ماتوا و لم يحسمهم» قال أبو قلابة: «فهؤلاء قتلوا و سرقوا و كفروا بعد إسلامهم و حاربوا اللَّه و رسوله».