سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٦ - الباب التاسع و الثلاثون في وفود بني حنيفة و مسيلمة الكذاب معهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
الباب التاسع و الثلاثون في وفود بني حنيفة و مسيلمة الكذاب معهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال في زاد المعاد: [قال ابن إسحاق: قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الكذّاب] و كان منزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النّجّار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يستر بالثياب و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جالس مع أصحابه في يده عسيب من سعف النّخل، فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هم يسترونه بالثياب كلّمه و سأله،
فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتكه»
[١]. قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة إن حديثه كان على غير هذا، زعم أنّ وفد بني حنيفة أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و خلّفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له مكانه
فقالوا: يا رسول اللّه إنا قد خلّفنا صاحبا لنا في رحالنا و ركابنا، يحفظها لنا. فأمر له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمثل ما أمر للقوم، و قال: «أما إنّه ليس بشرّكم مكانا» [٢].
يعني حفظه ضيعة أصحابه. [و ذلك الذي يريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)]. قال: ثم انصرفوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و جاءوا بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتدّ عدوّ اللّه و تنبّأ و قال: إنّي قد أشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: «أما إنه ليس بشرّكم مكانا»؟ و ما ذاك إلّا لما كان يعلم أنّي قد أشركت في الأمر معه.
ثم جعل يسجع السّجعان فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم اللّه على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. و وضع عنهم الصلاة و أحلّ لهم الخمر و الزّنا، و هو مع ذلك يشهد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه نبيّ فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك.
قال ابن إسحاق: و قد كان كتب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه: أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك و إن لنا نصف الأمر، و ليس قريش قوما يعدلون». فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب.
فكتب إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين» [٣].
و كان ذلك في آخر سنة عشر.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٣٣٠ و ابن كثير في البداية ٥/ ٥٠.
[٢] أخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٣٣١ و ابن كثير في البداية ٥/ ٥٢.
[٣] ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ٦/ ٣٨٤.