سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٩ - الباب الثمانون في وفود قيس بن عاصم إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
الباب الثمانون في وفود قيس بن عاصم إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
عن غالب بن أبجر [المزني] قال: ذكرت قيس عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «رحم اللّه قيسا». قيل: يا رسول اللّه أ نترحّم على قيس قال: «نعم إنه كان على دين أبينا إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه، إن قيسا فرسان اللّه تعالى في الأرض، و الذي نفسي بيده ليأتينّ على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إن قيسا خير اللّه تعالى في الأرض» [١]. يعني أسد اللّه. رواه الطبراني برجال ثقات و البزار.
و روى الطبراني [٢] بسند جيّد عن قيس بن عاصم رضي اللّه تعالى عنه قال: قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما رآني قال: «هذا سيّد أهل الوبر». فلما نزلت أتيته فجعلت أحدّثه، فقلت:
يا رسول اللّه، ما المال الذي ليست عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني أو عيال كثروا عليّ؟ قال:
«نعم المال الأربعون، و الأكثر الستّون، و ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى من رسلها و نجدتها، و أطرق فحلها، و أفقر ظهرها [و منح غزيرتها] و نحر سمينها و أطعم القانع و المعترّ».
قال: يا رسول اللّه، ما أكرم هذه و أحسنها، إنه لا يحلّ بالوادي الذي أنا فيه لكثرة إبلي. فقال:
«فكيف تصنع بالطّروقة؟» قال: قلت تغدو الإبل و يغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به. قال: «فكيف تصنع في الإفقار؟ قلت: إني لأفقر النّاب المدبرة و الضّرع الصغير. قال:
«فكيف تصنع في المنيحة؟» قلت: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: «فمالك أحب إليك أم مال مواليك؟» قلت: لا، بل مالي. قال: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت و سائره لمواليك». فقلت: و اللّه لئن بقيت لأقلّنّ عددها.
قال الحسن البصري (رحمه اللّه تعالى): فعل و اللّه، فلما حضرت قيسا الوفاء جمع بنيه فقال: يا بنيّ خذوا عنّي فإنكم لن تأخذوا من أحد هو أنصح لكم مني. إذا أنا متّ فسوّدوا أكابركم و لا تسوّدوا أصاغركم فتسفهكم الناس و تهونوا عليهم و عليكم بإصلاح المال فإنه سعة للكريم و يستغني به عن اللئيم، و إيّاكم و المسألة فإنها آخر كسب المرء، و إذا أنا متّ فلا تنوحوا عليّ فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم ينح عليه و قد سمعته ينهى عن النّياحة، و كفّوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها و أصوم و إذا دفنتموني فلا تدفنوني في موضع يطّلع عليه أحد، فإنه قد كان بيني و بين بني بكر بن وائل حماسات في الجاهلية فأخاف أن ينبشوني فيصيبون في ذلك ما
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ١٠/ ٥٢ و عزاه للطبراني في الكبير و الأوسط و رجاله ثقات
[٢] أخرجه الطبراني في الكبير ١٨/ ٣٣٩.