سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠ - الباب الخامس عشر في سرية الرجيع
قال نقلا عن شيوخه: «مشت بنو لحيان من هذيل، بعد قتل سفيان [بن خالد] بن نبيح الهذلي إلى عضل و القارة، و هما حيّان، فجعلوا لهم فرائض أن يقدموا على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيكلّموه فيخرج إليهم نفرا من أصحابه يدعونهم إلى الإسلام. قالوا: فنقتل من أردنا و نسير بهم إلى قريش بمكة، فنصيب بهم ثمنا، فإنه ليس شيء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمد يمثلون به و يقتلونه بمن قتل منهم ببدر. فقدم سبعة نفر من عضل و القارة [و هما حيّان إلى خزيمة] مقرّين بالإسلام. فقالوا: (يا رسول اللَّه، إن فينا إسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن و يفقّهوننا في الإسلام). فبعث معهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سبعة نفر، و أمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد، و يقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قلت و هو الصحيح، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا بالهدّة- و في رواية بالهدأة بين عسفان و مكة.
قال أبو هريرة و عروة و ابن عقبة: فغدروا بهم فنفروا لهم، و في لفظ، فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام، و في رواية في الصحيح في الجهاد: «فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل».
و الجمع واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. و ذكر أبو معشر في مغازيه أن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم نزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة فسقط نواة في الأرض و كانوا يسيرون بالليل و يكمنون النهار. فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النّويّ فأنكرت صغرهن، و قالت هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: «قد أتيتم، فاقتصّوا آثارهم حتى نزلوا منزلا فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد ركنوا في الجبل، انتهى. فلم يرع القوم إلا بالرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما أحسّ بهم عاصم و أصحابه لجأوا إلى فدفد، و في لفظ قردد، بواد يقال له غران.
و جاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: «لكم العهد و الميثاق إن نزلتم إلينا ألّا نقتل منكم رجلا، إنّا و اللَّه لا نريد قتلكم، إنما نريد أن نصيب منكم شيئا من أهل مكة». فقال عاصم: «أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي، اللهم أخبر عنا رسولك».
قال إبراهيم بن سعد كما رواه أبو داود الطيالسي: «فاستجاب اللَّه تعالى لعاصم فأخبر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبره و خبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا». و في حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كما في الصحيح: [١] و أخبر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أصيبوا خبرهم، فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة [في نفر النّبل]. و بقي خبيب، و زيد، و عبد اللَّه بن طارق كما عند ابن
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٤٣٧ (٤٠٨٦).