سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١ - الباب الخامس عشر في سرية الرجيع
إسحاق. قال ابن إسحاق و غيره: «فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد [بن شهيد]، و أسلمت بعد ذلك، و كانت قد نذرت حين قتل ابنيها مسافع و الجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة العبدري، و كان عاصم قتلهما يوم أحد، لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ الخمر في قحفه، و جعلت لمن جاء به مائة ناقة، فمنعته الدّبر. و في حديث أبي هريرة في الصحيح: «و بعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، و كان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر»، قال الحافظ: «لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بإذن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بعد أن انصرفوا من بدر، و كأن قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدّبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك و رجوا أن تكون الدّبر تركته فيتمكنوا من أخذه». انتهى.
فبعث اللَّه عليه مثل الظلّة من الدّبر يطير في وجوههم و يلدغهم فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. انتهى. فلما حالت بينهم و بينه، قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث اللَّه تبارك و تعالى الوادي فاحتمله فذهب به. و كان عاصم رضي اللَّه تعالى عنه قد أعطى اللَّه عهدا ألّا يمسّ مشركا و لا يمسّه مشرك، فبرّ اللَّه عز و جل قسمه، فلم يروه و لا وصلوا منه إلى شيء.
و كان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه يقول حين بلغه خبره: «يحفظ اللَّه تبارك و تعالى العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته». و صعد خبيب و زيد، و عبد اللَّه الجبل، فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد و الميثاق، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها فقال عبد اللَّه بن طارق: «هذا أول الغدر و اللَّه لا أصحبكم إن لي بهؤلاء القتلى أسوة» فجرّروه و عالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، كذا في الصحيح [١].
و عند ابن إسحاق. و أما زيد بن الدّثنة و خبيب بن عديّ و عبد اللَّه بن طارق فلانوا و رقّوا و رغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظّهران انتزع عبد اللَّه بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه و استأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبروه بالظّهران، و انطلقوا بزيد و خبيب فباعوهما بمكة، قال و الذي باعهما زهير، و جامع الهذليّان. قال ابن هشام باعوهما بأسيرين من هذيل [كانا بمكة] و قال محمد بن عمر: بيع الأول بمثقال ذهبا و يقال بخمسين فريضة، و بيع الثاني بخمسين فريضة و يقال اشترك فيه ناس من قريش و دخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.
[١] أخرجه البخاري في الموضع السابق.