سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - تنبيهات
على الدخول مع أنهم أشدّ الناس شكائم و أعلاهم همما و عزائم و قد كانوا في غاية الإباء له و المغالبة للقائم به، و ذلك هو فائدة الفتح الذي هو آية النصر و قد علم أن بالآية الأخيرة من الاحتباك ما دلّ بالأمر بالاستغفار [على الأمر] بالتوبة و بتعليل الأمر بالتوبة على تعليل الأمر بالاستغفار».
انتهى ما أوردته من كلام الشيخ برهان الدين البقاعي، و تأتي بقيّته في الوفاة النبوية أن شاء اللَّه تعالى.
تنبيهات
الأول: هذه السورة مدنية بلا خلاف، و المراد بالمدني ما نزل بعد الهجرة و لو بمكة على المعتمد. و روى البزّار، و أبو يعلى، و البيهقي في الدلائل عن أبي عمر رضي اللَّه عنهما قال: نزلت هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع، فأمر بناقته القصواء فرحلت، ثم فخطب خطبته المشهورة.
الثاني: روى مسلم و النّسائي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. و روى الترمذي و الحاكم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة و الفتح.
قال الشيخ في الإتقان: يعني: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. قال الحافظ: و الجمع بينهما أن آخر آية النصر نزولها كاملة بخلاف براءة. قلت: و لفظ حديث ابن عمر، و عند الطبراني: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ.
الثالث: سئل عن قول الكشّاف أن سورة النصر نزلت في حجّة الوداع أيام التشريق فكيف صدرت ب إِذا الدّالّة على الاستقبال؟ و أجاب الحافظ بضعف ما نقله، و على تقدير صحته فالشرط لم يكتمل بالفتح لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن كمل، فبقيّة الشرط مستقبل.
و قد أورد الطّيبي السؤال و أجاب بجوابين أحدهما أن إِذا قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً [الجمعة ١١] الآية. ثانيهما أن كلام اللَّه تعالى قديم. قال الحافظ: و في كل من الجوابين نظر لا يخفى.
الرابع: قال الحافظ ابن كثير: «و المراد بالفتح ههنا فتح مكة قولا واحدا فإن أحياء العرب كانت تتلوّم بإسلامها فتح مكة يقولون [دعوه و قومه] فإن ظهر عليهم فهو نبيّ. فلما فتح اللَّه عليه مكة دخلوا في دين اللَّه أفواجا فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيمانا و لم يبق من سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام». قلت: قد حكى غير واحد الخلاف في أن المراد فتح مكة أو فتح سائر البلاد.