سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - تنبيهان
الباب الثاني و الخمسون في سرية خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه إلى العزّى
قال ابن سعد: ثم سرية خالد بن الوليد إلى العزّى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، و كانت بيتا بنخلة. قال ابن إسحاق و ابن سعد: و كان سدنتها و حجّابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، و كانت أعظم أصنام قريش و جميع كنانة. و ذلك أن عمرو بن لحيّ كان قد أخبرهم أن الرّبّ يشتّي بالطائف عند اللات و يصيّف عند العزّى، فعظّموها و بنوا لها بيتا و كانوا يهدون إليها كما يهدون للكعبة. و روى البيهقي عن أبي الطّفيل رضي اللَّه تعالى عنه: و كانت بيتا على ثلاث سمرات، انتهى.
قال محمد بن عمر، و ابن سعد: و بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم فتح مكة خالد بن الوليد إلى العزّى ليهدمها. فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما سمع سادتها السّلمي بسير خالد إليها علّق عليها سيفه و أسند في الجبل الذي هي فيه و هو يقول:
يا عزّ شدّي شدّة لا شوى لها* * * على خالد القي القناع و شمّري
يا عزّ إن لم تقتلي المرء خالدا* * * فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
قال ابو الطفيل، و محمد بن عمر، و ابن سعد: فأتاها خالد فقطع السّمرات و هدمها ثم رجع إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره، فقال: «هل رأيت شيئا؟» قال: لا. قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها». فرجع خالد و هو متغيّظ.
فلما رأيت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل و هم يقولون: يا عزّى خبليه، يا عزّى عوّريه و لا تموتي برغم، فخرجت إليه [امرأة عجوز] سوداء عريانة ثائرة الرأس، زاد أبو الطفيل: تحثوا التراب على رأسها و وجهها. فضربها خالد و هو يقول:
يا عزّ كفر انك لا سبحانك* * * إني رأيت اللَّه قد أهانك
فجزّ لها اثنتين، ثم رجع إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره فقال: «نعم، تلك العزّى قد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» [١].
تنبيهان
الأول: ذكر ابن إسحاق و من تابعه هذه السرية بعد سرية خالد إلى بني جذيمة، و ذكرها محمد بن عمر، و ابن سعد، و البلاذري، و جرى عليه في المورد و العيون، و جزم به في الإشارة قبلها. و ارتضاه في الزّهر و قال إن في الأول نظر من حيث أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة و لا يتّجه إرساله بعد ذلك في بعث. و الذي ذكره غير واحد،
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١١٠- ١١١.