سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - تنبيهات
الثاني: قال النووي الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب و معناه: أنك إنما كلفت العمل بالظاهر و ما ينطق به اللسان و أما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه العمل بما ظهر من اللسان فقال: «أ فلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها و اعتقدها أولاد» و المعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان.
الثالث: قال الخطابي لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و لذلك عذره رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلم يلزمه دية و لا غيرها.
و قال الحافظ: لعله حمل نص النفع على عمومه دنيا و أخرى، و ليس ذلك المراد للفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل، و هذا الخلاف ما لو هجم عليه الموت [و وصل خروج الروح إلى الغرغرة، و انكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة] و هو المراد من الآية.
الرابع: قول الخطابي: لم يلزمه دية و لا كفارة فتوقف فيه الداودي و قال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان قبل نزول آية الدية و الكفارة.
و قال القرطبي: لا يلزم من السكوت عدم الوقوع، لكن فيه بعد، لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع قال فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذونا من أجل القتل فلا يضمن ما أتلفه من نفس و لا مال كالخائن و الطبيب، و لأن المقتول كان من العدو و لم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته.
قال و هذا يتمشى على بعض الآراء إلخ ما ذكره و تقدم عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمر لأهل مرداس بدية.
الخامس: قول أسامة: «حتى تمنيت أني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم» أي أن إسلامي كان ذلك اليوم، لأن الإسلام يجبّ ما قبله فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة و لم يرد به تمنى أنه لا يكون مسلما قبل ذلك قال القرطبي و فيه إشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، و إنما أورد ذلك على سبيل المبالغة.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
الحرقات: بضم الحاء المهملة و فتح الراء و القاف و الفوقية بطن من جهينة نسبة إلى الحرقة و اسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة الحضرمي بن جهينة قال ابن الكلبي: سمي بذلك لوقعة كانت بينهم و بين مرة بن عوف بن سعد فأحرقوهم بالسهام لكثرة من حرقوا منهم.