سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٦ - الباب الرابع و الستون في وفود بني عبد بن عدي إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
أظهر الله تعالى نبيّه و نصره على عدوه فاخرج يا بن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه.
فحمل أسيد امرأته و خرج و هي حامل تنتظر، و ألقت غلاما عند قرن الثعالب و أتى أسيد أهله فلبس قميصا و اعتمّ ثم أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و سارية قائم بالسيف عند رأسه يحرسه.
فأقبل أسيد حتى جلس بين يديّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟ قال: «نعم» قال:
أتقبل منه إن جاء مؤمنا؟ قال: «نعم».
فوضع يده في يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: هذه يدي في يدك أشهد أنك رسول اللّه و ألا إله إلا اللّه. فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رجلا يصرخ أن أسيد بن أبي أناس قد آمن و أمّنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و مسح وجهه و ألقى يده على صدره. و يقال إن أسيد كان يدخل البيت المظلم فيضيء. و قال أسيد بن أبي أناس:
أ أنت الّذي تهدي معدّا لدينها* * * بل الله يهديها و قال لك أشهد
فما حملت من ناقة فوق كورها* * * أبر و أوفى ذمّة من محمّد
و أكسى لبرد الحال قبل ابتذاله* * * و أعطى لرأس السّابق المتجرّد
تعلّم رسول الله أنّك قادر* * * على كلّ حيّ متهمين و منجد
تعلّم بأنّ الرّكب ركب عويمر* * * هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد
أنبوا رسول اللّه أن قد هجوته* * * فلا رفعت سوطي إلي إذن يدي
سوى أنّني قد قلت ويل أمّ فتية* * * أصيبوا بنحس لا يطاق و أسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهم* * * كفيئا فعزّت حسرتي و تنكدي
ذؤيب و كلثوم و سلمى تتابعوا* * * جميعا فإن لا تدمع العين تكمد
فلما أنشده: أ أنت الذي يهدي معدّا لدينها، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بل اللّه يهديها».
فقال الشاعر: «بل اللّه يهديها و قال لك اشهد».