سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٧ - الباب الثالث و العشرون في وفد ثقيف إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
شهرا فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمّى، و إنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم و نسائهم و ذراريهم، و يكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام.
فأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة لهدمها.
و قد كانوا سألوه أن يعفيهم من الصلاة و ألّا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، و أما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه».
فلما أسلموا و كتب لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كتابا، أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، و كان من أحدثهم سنّا، و ذلك أنه كان من أحرصهم على التّفقّه في الإسلام و تعلّم القرآن. و كان كما رواه عنه الطبراني برجال ثقات- رضي اللّه عنه- قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فلما حللنا بباب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قالوا: من يمسك رواحلنا؟ فكل القوم أحبّ الدخول على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و كره التخلف عنه، و كنت أصغرهم، فقلت إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد اللّه لتمسكنّ لي إذا خرجتم، قالوا: فذلك لك.
فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا. قلت: إلى أين؟ قالوا: إلى أهلك فقلت:
«ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أ أرجع و لا أدخل عليه؟ و قد أعطيتموني ما علمتم». قالوا: فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئا إلا سألناه.
فدخلت
فقلت: يا رسول اللّه ادع اللّه تعالى أن يفقهني في الدين و يعلّمني. قال: «ما ذا قلت؟» فأعدت عليه القول. فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم و على من تقدم عليه من قومك».
و في رواية: فدخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فسألته مصحفا فأعطانيه.
ثم قال في زاد المعاد: لما توجه أبو سفيان و المغيرة إلى الطائف لهدم الطاغية أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه و قال: ادخل أنت على قومك. و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم.
فلما دخل المغيرة علاها ليضربها بالمعول، و قام قومه دونه، بنو معتّب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة. فلما هدمها المغيرة و أخذ مالها و حليها أرسل أبا سفيان بمجموع مالها من الذهب و الفضة و الجزع.
و قد كان أبو المليح بن عروة، و قارب بن الأسود قدما على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل وفد ثقيف- حين قتل عروة- يريدان فراق ثقيف و ألّا يجامعاهم على شيء أبدا، فأسلما،
فقال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «تولّيا من شئتما». فقالا: نتولّى اللّه و رسوله.
فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو المليح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يقضي عن أبيه عروة دينا