سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - الباب الثالث و العشرون في وفد ثقيف إليه (صلّى اللّه عليه و سلم)
كان عليه من مال الطاغية فقال له: «نعم»
فقال له قارب بن الأسود: و عن الأسود يا رسول اللّه، فاقضه و عروة و الأسود أخوان لأب و أمّ.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن الأسود مات مشركا».
فقال قارب يا رسول اللّه، لكن تصل مسلما ذا قرابة- يعني نفسه- و إنما الدّين عليّ و أنا الذي أطلب به. فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبا سفيان أن يقضي دينهما من مال الطاغية [١].
و كان كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي كتب لهم: «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول اللّه إلى المؤمنين: إنّ عضاه وجّ و صيده حرام لا يعضد [و لا يقتل صيده] فمن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد و تنزع ثيابه و من تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلّغ النبي محمدا و إن هذا أمر النبي محمد رسول اللّه و كتب خالد بن سعيد بأمر من محمد بن عبد الله رسول اللّه [فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول اللّه لثقيف]».
هذا خبر ثقيف من أوله إلى آخره، هذا لفظه في غروة الطائف.
و ذكر في وفد ثقيف زيادة على ما هنا قال: و كانوا يغدون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في كل يوم و يخلّفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه أصغرهم. فلما رجعوا عمد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فسأله عن الدين و استقرأه القرآن حتى فقه في الدين و علم، فأعجب ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أحبّه. فمكث الوفد يختلفون إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا.
فقال كنانة بن عبد يا ليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ قال: نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم و إلا فلا قضيّة و لا صلح بيني و بينكم. قالوا: أ فرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب لا بدّ لنا منه. قال: و هو عليكم حرام، إن اللّه عز و جل يقول: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا [الإسراء ٣٢] قالوا: أ فرأيت الرّبا فإنه أموالنا كلّها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، إن اللّه تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة ٢٧٨]. قالوا: أ فرأيت الخمر فإنه لا بد لنا منها؟ قال: إن اللّه تعالى قد حرّمها و قرأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة ٩٠].
فارتفع القوم و خلا بعضهم ببعض و كلّمه إلا يهدم الرّبّة، فأبى، فقال ابن عبد يا ليل: إنا لا نتولّى هدمها. فقال: «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها». و أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص كما تقدم لما علم من حرصه على الإسلام. و كان قد تعلّم سورا من القرآن قبل أن يخرج لما سألوه أن يؤمّر عليهم.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٣٧٠.