سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - تنبيهات
الزاد إلخ». أنه كان لهم زاد بطريق العموم و زاد بطريق الخصوص. فلما فني الذي بطريق العموم اقتضي رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم ففعل فكان جميعه مزودا واحدا.
و وقع عند مسلم في رواية الزبير عن جابر: «بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش و زودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة [١]».
و ظاهره مخالف لهذه الرواية. و يمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب. فلما تعدد و جمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه صار قدر جراب، و يكون كل من الروايين ذكر ما لم يذكر الآخر. و أما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال. و قد روى البخاري في الجهاد من طريق وهب بن كيسان عن جابر: «خرجنا و نحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا حتى كان الرجل منا يأكل [كل يوم] تمرة». و أما قول عياض: «يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور» فمردود لأن حديث جابر الذي صدر به البخاري صريح في أن الذي اجتمع من أزوادهم كان مزود تمر. و رواية أبي الزبير صريحة في أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) زوّدهم جرابا من تمر فيصح أن التمر كان معهم من غير الجراب. و أما قول غيره يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من الجراب النبوي (صلّى اللّه عليه و سلم) قصدا للبركة، و كان يفرق عليهم من الأزواد التي اجتمعت أكثر من ذلك فبعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البرّ. فقلّت أزوادنا حتى كان يصيب الرجل منا التمرة.
السادس: في رواية وهب بن كيسان عن جابر: «فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة».
و في رواية عمرو بن دينار: «فأكلنا منه نصف شهر». و في رواية أبي الزبير: «فأقمنا عليها شهرا». و يجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال: ثماني عشرة، ضبط ما لم يضبط غيره أو أن من قال نصف شهر ألغى الكسر الزائد و هو ثلاثة أيام، و من قال شهرا جبر الكسر و ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. و رجّح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة. قال ابن التين: إحدى الروايتين و هم. و وقع في رواية الحاكم: اثنا عشر يوما، و هي شاذّة و أشذ منها رواية الخولاني: أقمنا قبلها ثلاثا. و لعل الجمع الذي ذكرته أولى.
السابع: لا تخالف رواية أبي حمزة الخولاني رواية أبي الزبير في لحم الحوت لأن رواية أبي حمزة تحمل على أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال ذلك ازديادا منه بعد أن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، و كان الذي أحضروه معهم لم يروح فأكل منه (صلّى اللّه عليه و سلم).
[١] أخرجه مسلم ٣/ ١٥٣٥ (١٧- ١٩٣٥).