دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧٩ - باب
(١) و قال أبو زيد [٧] ضحا مخّهنّ قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب و قال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، و الشّاء عازب حيال، و لا حلوب في البيت؟
فقالت: لا و اللّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا و كذا. قال:
صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة، و لم تزر به [٨] صعلة، و سيم قسيم- و قال محمد بن موسى: و سيما قسيما- في عينه دعج، و في أشفاره غطف، و في صوته صهل، و في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، أزجّ أقرن. إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلّم سما و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحلاه و أحسنه من قريب. حلو المنطق، فصل، لا نزر و لا هزر. كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن. ربعة لا يأس [٩] من طول، و لا تقتحمه [١٠] عين من قصر، غصنا بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس و لا مفند [١١]- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
فقال أبو معبد: هو و اللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، و لقد هممت أن أصحبه، و لأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا. فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت و لا يدرون من صاحبه، و هو يقول:
جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه* * * رفيقين قالا [١٢] خيمتي أمّ معبد
[٧] في (ص): يزيد.
[٨] في (ح): «تزديه».
[٩] في (ح): «لا بائن».
[١٠] في (ص): «لا تقتحه».
[١١] في (ص): «معتد».
[١٢] قالا: من القيلولة، و هو منتصف النهار.