دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٤٢ - باب ذكر رضاع النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرضعته و حاضنته
(١) العرب من شرّ قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فإنكم إن تركتموه و أدرك مدرك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم، و ليكذّبنّ أديانكم، و ليدعونّكم إلى رب لا تعرفونه، و دين تنكرونه.
قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده، و قلت: لأنت أعته منه و أجنّ، و لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك، فإنا لا نقتل محمدا. فاحتملته فأتيت به منزلي، فما أتيت- يعلم اللّه- منزلا من منازل بني سعد بن بكر إلا و قد شممنا منه ريح المسك الأذفر، و كان في كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان، فيغيبان في ثيابه و لا يظهران. فقال الناس: ردّيه يا حليمة على جدّه عبد المطلب، و أخرجيه من أمانتك. قالت:
فعزمت على ذلك، فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكّة، اليوم يردّ [٣٣٢] عليك النور، و الدين، و البهاء، و الكمال، فقد أمنت أن تخذلين أو تحزنين أبد الآبدين و دهر الدّاهرين. قالت: فركبت أتاني، و حملت النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بين يديّ، أسير حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكّة و عليه جماعة، فوضعته لأقضي حاجة و أصلح شأني، فسمعت [٣٣٣] هدّة شديدة، فالتفتّ فلم أره، فقلت: معاشر الناس، أين الصبيّ؟ قالوا: أيّ الصبيان؟ قلت: محمد ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، الذي نضّر اللّه به وجهي، و أغني عيلتي، و أشبع جوعتي، ربّيته حتى إذا أدركت به سروري و أملي، أتيت به أردّه و أخرج من أمانتي، فاختلس من يدي من غير أن تمس قدميه الأرض، و اللّات و العزّى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق هذا الجبل، و لأتقطعنّ إربا إربا. فقال الناس [إنّا] [٣٣٤] لنراك غائبة عن الركبان، ما معك محمد. قالت: قلت: الساعة
[٣٣٢] في (ص): «يرد اللّه عليك ..».
[٣٣٣] في (ه): «سمعت»، و في (ص): «إذ سمعت».
[٣٣٤] الزيادة من (ح).