دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٤٠ - باب ذكر رضاع النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرضعته و حاضنته
(١) يقول: اللّه أكبر كبيرا، و الحمد للّه كثيرا، و سبحان اللّه بكرة و أصيلا، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم. فقال لي يوما من الأيام: يا أماه! مالي لا أرى إخوتي بالنهار؟ قلت: فدتك نفسي، يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل. فأسبل عينيه فبكى، فقال: يا أماه، فما أصنع ههنا وحدي؟ ابعثيني معهم. قلت: أو تحب ذلك؟ قال: نعم. قالت: فلما أصبح دهنته، و كحّلته، و قمّصته، و عمدت إلى خرزة جزع يمانيّة فعلّقت في عنقه من العين. و أخذ عصا و خرج مع إخوته، فكان يخرج مسرورا و يرجع مسرورا، فلما كان يوما من ذلك خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا، فلما انتصف النهار إذا أنا بابني «ضمرة» يعدو فزعا، و جبينه يرشح قد علاه البهر باكيا ينادي: يا أبت [٣٢٥] يا أبه و يا أمه، الحقا أخي محمدا فما تلحقاه إلا ميتا. قلت: و ما قصته؟ قال: بينا نحن قيام نترامى [٣٢٦] و نلعب، إذ أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، و علا به ذروة الجبل و نحن ننظر إليه حتى شقّ من صدره إلى عانته، و لا أدري ما فعل به، و لا أظنكما تلحقاه أبدا إلا ميتا. قالت:
فأقبلت أنا و أبوه- تعني زوجها- نسعى سعيا، فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل، شاخصا ببصره إلى السماء، يتبسم و يضحك، فأكببت عليه، و قبّلت بين عينيه، و قلت: فدتك نفسي، ما الذي دهاك؟ قال: خيرا يا أمّاه، بينا أنا الساعة قائم على [٣٢٧] إخوتي، إذ أتاني رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق فضة، و في يد الثاني طست من زمرّدة خضراء ملؤها ثلج، فأخذوني، فانطلقوا بي إلى ذروة الجبل، فأضجعوني على الجبل إضجاعا لطيفا، ثم شقّ من صدري إلى عانتي، و أنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك حسّا و لا ألما، ثم أدخل يده في
[٣٢٥] في (ح): «يا أمه»، و في (ص): «يا أبه».
[٣٢٦] في (ص) رسمت: نتراما.
[٣٢٧] في (ص): «معي».