دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٧ - باب ذكر رضاع النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرضعته و حاضنته
(١)
[ ()] و المغزى أعمق من أن نتجاوزه إلى المماحكات التي تشعر بضعف الإيمان أكثر مما تشعر بنور اليقين.
إن اللّه سبحانه و تعالى- و قد شاءت إرادته- منذ الأزل- أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الكامل للإنسان الكامل الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب، و تصفية النفس.
و لما شب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو و الفساد و الملاذ الشهوانية الدنسة.
كانت حانات الخمر منتشرة، و بيوت الريبة و عليها علامات تعرف بها، و تلك المغنيات و الماجنات و الراقصات، من أمور الجاهلية التي كانت تعج في ذلك المجتمع الجاهلي، و تتوجها عبادة الأصنام و الأوثان.
و اللّه سبحانه و تعالى برأ رسوله، و اختاره من أكرم معادن الانسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض،
و في «صحيح البخاري» قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين كلتاهما عصمني اللّه- عز و جل- فيهما: قلت ليلة لبعض فتيان مكة- و نحن في رعاء غنم أهلها- فقلت لصاحبي:
«ألا تبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان؟
فقال: بلى.
قال: فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة، فسمعت عزفا بالغرابيل و المزامير، فقلت: ما هذا؟
قالوا: تزوج فلان فلانة.
فجلست أنظر، و ضرب اللّه على أذني فو اللّه ما أيقظني إلا مسّ الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما ذا فعلت؟
فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت.
ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعته تلك الليلة فسألت فقيل:
نكح فلان فلانة.
فجلست أنظر، فضرب اللّه على أذني، فو اللّه، ما أيقظني إلا مسّ الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فو اللّه ما هممت و لا عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني اللّه عز و جل بنبوته:
هذا ما كان من أمر عبث الفتيان.