دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٨ - باب ذكر رضاع النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرضعته و حاضنته
(١)
[ ()] أما عبادة الأوثان فإن اللّه سبحانه عصمه منها و القصة التالية توضح ذلك.
عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- قال:
حدثتني أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش لتعظمه:
تنسك له النسائك، و يحلقون رؤوسهم عنده، و يعكفون عنده يوما إلى الليل، و ذلك يوما في السنة. و كان أبو طالب يحضره مع قومه. و كان يكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يحضر ذلك العيد مع قوه.
فيأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، و رأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، و جعلن يقلن:
ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيد و لا تكثر لهم جمعا؟! قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء اللّه، ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا، فقالت له عماته: ما دهاك؟ قال:
«إني أخشى ان يكون بي لمم».
فقلن: ما كان اللّه ليبتليك بالشيطان، و فيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟
قال:
«إني كلما دنوت من صنم منها: تمثل لي رجل أبيض، يصيح بي: وراءك يا محمد: لا تمسّه» قالت:
فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ».
و هكذا كانت حياته (صلّى اللّه عليه و سلّم) حياة زكية طاهرة، من الآثام التي تدنس الشباب في مجتمعاتهم، بعيدة عن الشرك، لم يسجد لصنم قط، بعيدا عن معايب الجاهلية، و مفاسدها.
و لا يطمئنّ بعض الجاهلين، و معهم المستشرقين إلى قصة «شقّ الصدر» و استخراجه، و معالجته، سواء التي حدثت للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عند حليمة السعدية، أو ما ورد من شق الصدر و استخراج القلب في معجزة الإسراء و المعراج.
و ابن حبان منذ أكثر من ألف سنة يناقش الموضوع و يعتبره من معجزات النبوة و يقول: «كان ذلك له فضيلة فضّل بها على غيره، و انه من معجزات النبوة، إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم، ثم استخرج قلوبهم ماتوا». [صحيح ابن حبان (١: ١٤٠) من تحقيقنا].
فإذا كان ابن حبان يقول معبرا عن العصر الذي عاش فيه «إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم، ثم استخرج قلوبهم، ماتوا» فهذا فعلا كان في عصر ابن حبان المتوفى (٣٥٤) هجرية، لا بل هو إلى عهد قريب جدا.
و تقدّم العلم، و الطّبّ، و الجراحة، و التخدير، و العمليات الجراحية صارت تجرى في غرف معقمة، و بوسائل مختلفة، و تقنية جدّ ماهرة، فأمكن للجراحين اليوم من إجراء مختلف انواع