دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٦ - باب ذكر رضاع النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مرضعته و حاضنته
(١) خبره؟ قلنا: بلى، قالت: حملت به، فما حملت حملا قطّ أخفّ منه، فأريت في المنام حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه، رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما [٣٢١].
[٣٢١] حادث شق الصدر ورد في كتب السيرة باتفاق، فهو في سيرة ابن هشام (١: ١٧٦)، و طبقات ابن سعد (١: ١١٢)، و دلائل النبوة لأبي نعيم ص (١١١)، و البداية و النهاية (٢: ٢٧٥)، و الخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٥٤)، و قد أشارت إليه كتب التفسير، في تفسير قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
و هذا الحادث الذي يسرده المصنف، و الذي وقع لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منذ الطفولة المبكرة، و استخرج جبريل منه العلقة قائلا: «هذا حظ الشيطان منك ..» قد تكرر لما كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابن عشر سنين.
فقد روى الإمام أحمد، و ابن حبان، و ابن عساكر، عن أبي بن كعب أن أبا هريرة سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا رسول اللّه! ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال
النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إني لفي صحراء، ابن عشر سنين و أشهر، و إذا بكلام فوق رأسي و إذا رجل يقول لرجل: «أهو هو؟»، قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، و أرواح لم أجدها من خلق قط، و ثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي: لا أجد لأحدهما هامسا، فقال أحدهما للآخر: أضجعه، فأضجعاني بلا قسر و لا هصر، و قال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم و لا وجع، فقال له: أدخل الرأفة و الرحمة، فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: اغد و اسلم. فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، و رحمة للكبير.
و قد تكررت حادثة شق الصدر مرة أخرى و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، رسول جاوز الخمسين من عمره،
فعن مالك ابن صعصعة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حدثهم عن ليلة
أسري به، قال: «بينما أنا في الحطيم- أو قال في الحجر- مضطجع بين النائم و اليقظان، أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه- يعني من ثغرة نحره إلى شعرته- قال: فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم أحشائي ثم أعيد ...» [أخرجه مسلم، و أحمد (٣: ١٢١)، و الحاكم (٢: ٦١٦)].
و قصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد اللّه- عز و جل- نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، عن مزالق الطبع الإنساني، و وساوس الشيطان، و هو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها اللّه عليه.