متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٠٥ - ومن سورة فصلت
لأن حمله على ما يعلم ضرورة خلافه لا يجوز ، ومعلوم من حاله ، صلى الله عليه ، أنه كان من دينه ومذهبه أن له الحجة لازمة للكفار ، وأن عليهم الانقياد له ولها ، فلا يصح حمله على ظاهره ، مع أن من خالفنا من المجبرة لا يقول إن الكفار لا حجة للرسول عليهم ، فلا يصح تعلقهم بذلك. وإنما نلزمهم نحن ، على مذهبهم ، أن لا يكون لله تعالى ، ولا لأحد من الرسل على أحد من الكفار حجة ؛ لأن الغرض بالحجة التمسك بما توجبه عند القدرة عليه وعلى الإعراض عنه ، وإن كان تعالى هو الخالق للكفر فيهم ، لم يصح ذلك فيه ، وإن كان تعالى يخلق فيه المعارف ـ وإنما يحصل القوم عارفين بها ـ فلا وجه لثبوت الحجة وتكريرها وإعادتها مرة بعد مرة ، فلما أعرضوا ولم ينتفعوا قال هذا القول توبيخا وتبكيتا ؛ ليبين ذلك أن نفس الآية تتضمن الحجاج عليهم ، فكيف يصح أن تتضمن مع ذلك أن لا حجة له عليهم؟ وهذا بين.
٦٧١ ـ وقوله تعالى : ( تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ) [٢٢] يدل على قولنا فى الوعيد ؛ لأن الذى كسبوه هو العقوبة المستحقة على ظلمهم ، فخبر تعالى أنه واقع بهم لا محالة.
وإذا ثبت أنها دائمة ، فيجب إدامة وقوعها بهم ، وفى ذلك بطلان قولهم فى إلا رجاء ، والشفاعة لأهل الكبائر.
٦٧٢ ـ قوله تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَ ) [٢٤] فلا يدل على المنع مما كلفوا ، لأن ظاهره ليس فيه أنه ختم على قلبه ، وإنما فيه أنه لو شاء لفعل ، وقد بينا أن الختم يفيد ظاهره السمة والعلامة ، فلا تعلق لهم بالظاهر