متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٧٩ - ومن سورة الكهف
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أن العبد لا يستطيع السمع الذى هو إدراك الصوت ، وهذا قولنا ، لأن مشايخنا يختلفون فيه ؛ فمنهم من يثبت للصوت إدراكا ويجعله مقدورا لله تعالى فقط ، ومنهم من يقول فيه : إنه ليس بمعنى ، وإنما يدرك الصوت ويسمع بصحة الحاسة وارتفاع الموانع ، فلا يثبت ما يصح إثبات القدرة عليه ، أو نفيها ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟
ويجب أن يحمل الكلام على أنهم كانوا يستثقلون ما يسمعون والتفكر فيه فيعرضون عنه وعن التدبر له ، فوصفوا بذلك ، على ما يقال فى الشاهد ، فيمن يستثقل المسموع : إنى لا أستطيع « أن أسمع [١] هذا الكلام ، ومقصده ليس إلا ما ذكرناه.
وقوله : ( الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ) لا يمكن حمله على ظاهره ؛ لأنه يوجب إثبات غطاء لأعينهم ، والمعلوم خلافه ، فإذن يجب أن يحمل على التشبيه ، من حيث لم ينتفعوا بما رأوا. على ما بيناه فى الختم والطبع.
٤٤٤ ـ فأما قوله تعالى ، قبل ذلك : ( وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ ) [٢] فقد استدل شيوخنا ، رحمهمالله ، به على بطلان قول القوم ، لأنه لو كان كما يقولون لوجب أن يقول : وما أنسانيه إلا الرحمن ، لأنه الذى يخلق فيهم ذلك على وجه لا يمكنهم التخلص منه. وإنما يصحّ ذلك على ما نقوله من حيث كان الشيطان يوسوس ، فيتشاغل العبد عند ذلك عن الأمر الذى كلف ، فيصح عنده أن يقال : إن الشيطان أنساه ذلك وعلى مذهبهم لا يمكن ذلك ، ولا يكون له معنى!
[١] ساقط من د. [٢] من الآية : ٦٣.