متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٣ - مقدمه
أنه صدق وإن لم يعلم حال المخبر عنه ، فكذلك القول فيما قدمناه.
وأكثر ما يجب فى إبطال هذه المسألة أن نبين أن المصلحة قد تتعلق بالمتشابه فقط ، ومتى بين ذلك بطل ما أوردوه [١] :
واعلم أن الغرض بكتاب الله جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما [٢] يتصل بذلك من الثواب والعقاب ، والقصص وغيره. والعلوم قد يجوز أن يكون الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة. ومتى كانت ضرورية فقد يكون الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة ، وقد يكون الصلاح فى خلافه. وكذلك المكتسب قد يكون الصلاح فى [٣] أن ينجلى طريقه ، وقد تكون المصلحة فى أن يغمض ذلك. وصارت العلوم فى هذا الوجه بمنزلة سائر الأفعال التى يفعلها تعالى والتى يكلّفناها.
فإذا ثبت ذلك ، فكما ليس لأحد من أصحاب المعارف [٤] أن يقول : ما الفائدة فى أن نكلّف اكتساب المعرفة بالله عز وجل وبتوحيده وعدله ، وهلا جعل ذلك أجمع فى العلوم الضرورية ؛ ليكون أجلى ولتزول عنه الشبه والشكوك ، فكذلك لا يجوز لهذا السائل مثله فى طرق الأدلة فيقول : هلا جعلها عز وجل متفقة فى الوضوح!. وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفى القياس والاجتهاد إذا عوّل على أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها ، فقلنا : إن المصلحة قد تختلف فى طرق الأحكام
[١] د : ما أورده. [٢] ف : أو. [٣] ساقطة من : د. [٤] أصحاب المعارف : هم الذين يقولون إن المعارف كلها ضرورية ، وقد أشرنا بشيء من التفصيل إلى مذهبهم فى بعض تعليقاتنا القادمة (أنظر المسألتين : ٧٢ ، ١٢٥) وخلاصته قولهم : ( إن المعارف كلها ضرورة طباع ، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد. وليس بالعباد شيء سوى الارادة ... )
أنظر الملل والنحل للشهرستانى ـ بهامش الفصل لابن حزم ـ ١ / ٩٤.
وانظر شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ـ ص ٥٥ فما بعدها.