متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢١ - مقدمه
وصف جميعه بأنه محكم فليس المراد به ما قدمناه ، وإنما [١] أريد به أنه تعالى أحكمه فى باب الإعجاز والدلالة على وجه لا يلحقه خلل ، ووصف جميعه بأنه متشابه ، المراد به أنه سوّى بين الكل فى أنه أنزل على وجه المصلحة ودل به على النبوة ؛ لأن الأشياء المتساوية فى الصفات المقصود إليها يقال فيها متشابهة. فإذا صح ذلك لم يطعن ما ذكره السائل فيما قدمنا ذكره من حقيقة المحكم والمتشابه.
٨ ـ مسألة : وإن سأل فقال : ما وجه المصلحة فى أن جعل تعالى بعض القرآن محكما وبعضه متشابها ، وما أنكرتم أن الصلاح فى أن يجعله كله محكما ، وأن فى المتشابه فسادا ؛ لأنه يؤدى إلى الجبر فى الدين ، ولو كان عز وجل قد بين المراد بالجميع على حد [٢] واحد ولم يجعل فى ظاهره [٣] ما يشبه التناقض لكان أقرب إلى البصيرة وزوال الشكوك ، وإلى أن لا يدل ظاهره إلا على الحق. وهذا ينقض ما ذكرتموه من أنه عز وجل يخاطب العباد لنفعهم وصلاحهم ، لأن المتعالم ممن يقصد بخطابه إفهام المخاطب أن يقبح منه ألا يجلّى مراده إذا أمكنه ذلك ، ومتى لبّس مراده وأوقع خطابه محتملا كان ذلك ناقضا لما قصده ، فكيف [٤] يصح أن يكون عز وجل قد أراد إفهام المكلف بما أنزله من القرآن ، وأن يجعله بيانا وشفاء وهدى ورحمة ، وجعله مع ذلك مشتبها ملتبسا وهو قادر على أن يجعله واضحا جليا لا يشتبه على أحد من السامعين!؟
وبعد ، فلو حسن من المخاطب أن يخاطب تارة بالمحكم وتارة بالمتشابه ،
[١] ف : فانما. [٢] د : كل. [٣] د : ظواهره. [٤] د : وكيف.